*الدَّولة مقبرة الأيديولوجيات*

2026/01/10

333
حسين العادلي
• ليست السياسة فكرةً تُحاكَم، بل واقع يُدار.
ومن هنا يبدأ الوهم: أن تُعامَل الدولة بوصفها امتداداً لعقيدة، لا
بوصفها تنظيماً لمصالح متناقضة.
• الأيديولوجيا قادرة على إشعال المعنى، لا على إدارة الواقع،..
تُلهِم ولا تُنظِّم، تُعبِّئ ولا تُوازِن، تُعطي الجماهير سبباً
للتضحية، لكنها لا تمنح الدولة شروط الحياة.
لهذا تصلح الأيديولوجيا للتسويق السياسي، لا لإدارة وجود الدولة
ومصالحها.
• التاريخ شاهد لا يرحم.
فكل الثورات انطلقت من أفكار كبرى: الحرية، العدالة، الخلاص،
الهوية.
كانت الأيديولوجيا ضرورة في لحظة الهدم، لأنها تمنح الألم معنًى،
والتضحية وعداً.
لكن ما إن تُولد الدولة من رحم الثورة، حتى تتحوّل الأيديولوجيا من
شرطٍ للانبعاث إلى قيدٍ على الاستمرار، لأنّ الدولة لا تُبنى
بالشعارات، بل بالمؤسسات والقوانين المرنة والتنازلات.
ولا تقوم على النقاء، بل على التوازن. ولا تُدار بالحقيقة المطلقة، بل
بالممكن الأقل كلفة، فهي ليست كياناً أخلاقياً، بل كيان تنظيم للمصالح
المتعارضة، وضبط للفوضى، وإدارة قانونية مرنة للصراع.
ولهذا، كل دولة تُصِرّ على أن تكون أيديولوجية، تمشي عكس طبيعتها،
فإمّا أن تتخلّى عن أيديولوجيتها سرّاً وتُبقيها خطاباً، أو تصطدم
بالواقع فتنهار، أو تتحوّل إلى سلطة شمولية تُضاعف القمع لحماية
الوهم.
• تفشل الأنظمة المؤدلجة لأنها تحاول إخضاع الواقع للنص، لا إخضاع
النص للواقع، وهنا فهي تُقدِّس الفكرة أكثر من الإنسان، فتُحوِّل
الفشل إلى خيانة، والنقد إلى ارتداد، والاختلاف إلى تهديد وجودي، وحين
تعجز عن الإدارة، لا تُراجع المسلّمات، بل تُكثِّف العنف.
• السلطة لا تعادي الأيديولوجيا من حيث المبدأ، لكنها لا تستطيع العيش
بها. فالسلطة تبحث عن البقاء، بينما تبحث الأيديولوجيا عن
النقاء.
مَن لا يُكيّف ويتكيّف ويتحرك وفق الممكن، لا يحكم،.. هذه هي طبيعة
حكم الدّول، لهذا كانت الدولة مقبرة الأيديولوجيات، لا لأنها
تقتلها،
بل لأنها تُجبرها على الانتحار أو التخلّي عن ذاتها.
• السياسة العاقلة تفهم هذا التوتر البنيوي: الفكرة تُشعل العاطفة،
والعقل يُدير السياسة،.. ومن يخلط بين الوظيفتين، لا يؤسّس دولة، بل
يُقيم سلطةً صلبة، سرعان ما يصدمها الواقع،.. فتنهار.