الأزمة المالية في العراق تعطل القطاع الخاص وترفع نسبة البطالة
2020/11/12
 
404

متابعة/ المورد نيوز

لا تنحصر تبعات الأزمة المالية التي يمر بها العراق على طبقة الموظفين فقط، بل إن انعكاساتها على السوق باتت واضحة، إذ تتأثر غالبية القطاعات الاقتصادية في البلاد بشح الموارد المالية نتيجة الاعتماد شبه الكلي على النفط كمحرك رئيس للاقتصاد الوطني.

وأدى نقص الموارد المالية للبلاد، إلى تعسّر الحكومة العراقية في صرف رواتب موظفيها في أكثر من شهر، فضلاً عن تأخر تسديد مستحقات واجبة الدفع لشركات ومقاولين وتجار متعاقدين مع الحكومة، ما انعكس بشكل ملحوظ على السوق العراقية والقدرة الشرائية، إضافة إلى زيادة نسب البطالة والفقر.

وتربط الحكومة إمكانية تسديد أجور موظفيها بموافقة البرلمان على قانون الاقتراض، الذي أجريت تعديلات عليه أخيراً، إذ انخفض حجم الأموال المطلوبة من 41 تريليون دينار (34 مليار دولار) الذي لم يوافق عليها البرلمان إلى نحو 24 تريليون دينار (20 مليار دولار).

وتؤكد مصادر برلمانية أن مقترح قانون الاقتراض الأخير الذي قدمته الحكومة ستتم الموافقة عليه.

توريث الدين وزيادة الأعباء

في المقابل، يرى مراقبون أن الحلول للأزمة الحالية لا ترتبط فقط بسداد رواتب الموظفين، على الرغم من أنها تعدّ أحد المشغّلات الرئيسة للسوق، إلا أن انحسار الموارد المالية يعني تضاؤلاً مستمراً وعلى المدى البعيد في معدلات التنمية الاقتصادية للبلاد.

ويقول محمود داغر، وهو مدير عام سابق للعمليات المالية في البنك المركزي إن "عدم نيل الموظفين رواتب يعني أن 80 أو 90 في المئة من العاملين في القطاع الخاص لن يستطيعوا الحصول على دخل، الأمر الذي يتسبب في حالة ركود، خصوصاً مع ارتباط الطلب والإنفاق في السوق على الرواتب".

وفي وقت يحذر من "استمرار الاقتراض بهذا الحجم الكبير"، يصف استمرار الحكومة بالاقتراض بأنه "توريث للدين وزيادة للأعباء على الأجيال المقبلة"، ويشير إلى أن "هناك مبالغة في الصيغة الأخيرة لطلب الاقتراض من قبل الحكومة"، مبيّناً أنه "بالإمكان حذف أكثر من خمسة تريليونات دينار (حوالى أربعة مليارات دولار) من الديون، من بينها مستلزمات الرئاسات الثلاث وبعض النفقات المتعلقة بالاستثمار".

ويلفت داغر إلى أن "الأزمة الحالية وتزايد الدين سينعكسان بشكل مباشر على معدلات الفقر والبطالة، خصوصاً أن فوائدها سنوية ومن الصعب تسديدها"، مستدركاً "بدلاً من أن تحقق الإيرادات النفطية تنمية اقتصادية، ستنفق لخدمة الديون".

وعلى الرغم من حديث اقتصاديين عن كون الرواتب تعدّ المشغّل الأكبر لحركة السوق، إلا أن انعكاسات الأزمة المالية لا تقتصر على الرواتب فقط، بل باتت تؤثر بشكل مباشر في بقية القطاعات الحيوية، ولعل القطاع الخاص المتضرر الأكبر منها، فضلاً عن تسببها في عدم قدرة الحكومة على تسديد أجور المستثمرين والمقاولين المتعاقدين معها.

ويقول المتخصص الصناعي باسم جميل أنطون إن "رواتب الموظفين هي المموّل الرئيس لحركة السوق والتي تشكل حوالى 5.5 مليار دولار، وتعطلها يتسبب بشكل مباشر في شلل لحركة الاقتصاد العراقي"، وعلى الرغم من حديثه عن خطورة تأخر دفع مستحقات الموظفين، يشير إلى إشكالية أخرى تتعلق بشركات القطاع الخاص "التي باتت لا تمارس أي عمل لأن الحكومة لا تسدّد الديون المترتبة عليها لتلك الشركات"، مبيّناً أن تلك الديون باتت "تتراوح بين 20-30 تريليون دينار (17-25 مليار دولار)".

ويلفت إلى أن "حجم البطالة الكبير الذي يصل إلى حدود 35 في المئة حصل نتيجة توقف الأعمال في القطاع الخاص"، مؤكداً أن "الأزمة الأخيرة أسهمت في زيادة تلك المعدلات"، ويضيف أنطون أن "سوء الإدارة الاقتصادية والفساد حوّلا الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد ريعي واتكالي، وباتت الدولة هي الممولة الوحيدة لمعيشة المواطنين"، ويكشف عن أن "حوالى 50 ألف مشروع في القطاع الخاص شبه متوقفة في السنوات الماضية نتيجة سوء إدارة الاقتصاد، فضلاً عن تلكؤ واضح وشلل في المشاريع الصناعية الحكومية"، مردفاً أن "الأزمة الأخيرة زادت من الإشكال وأدّت إلى شلل إضافي للمصانع".

ويعزو المتخصص الصناعي سبب الإشكالية إلى "عدم تفعيل قوانين التعرفة الجمركية، وحماية المنتج الوطني، والمستهلك والتنافسية ومنع الإغراق السلعي، التي شرعت منذ 10 سنوات إلا أنها غير مفعّلة"، موضحاً أن "هناك فئات سياسية مستفيدة وتحاول أن تبقي العراق بلداً مستهلكاً".

مشاريع معطلة

وكان المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية عبد الزهرة الهنداوي، قد صرّح في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، أن "الأزمة المالية التي يشهدها العالم عموماً والعراق خصوصاً بسبب كورونا، وانخفاض أسعار النفط تهدّد بإيقاف حوالى 6250 مشروعاً في مختلف القطاعات في البلاد، وأن المبالغ التي نحتاج إليها لإتمام هذه المشاريع حوالى 100 مليار دولار".

وأضاف في تصريحات للوكالة الرسمية، "ستركّز الوزارة في ظل الأزمة المالية على إتمام المشاريع ذات نسب الإنجاز المتقدم (60 في المئة وما فوق) لأنها تحتاج إلى مبالغ قليلة مع وضع أولوية للمشاريع الخدمية في قطاع الصحة والتعليم والطرق والمجاري والماء لأن توقفها يتسبب في فقدان الأمن والخدمات وفرص العمل وخدمة المواطن"، وأشار إلى أن "العراق الذي يعتمد على النفط مصدراً لتمويل موازنته منذ عقود ليس من السهولة عليه الانتقال إلى مورد آخر بسرعة، إذ تحتاج القطاعات الإنتاجية إلى مراحل متعددة من بنى تحتية وموارد بشرية وخبرات لتهيئتها وإعدادها كمصدر مالي يستطيع تمويل الموازنة".

سبعة ملايين يتقاضون رواتب من الحكومة

ويشكّل عدد المعتمدين على رواتب الدولة من العراقيين حوالى سبعة ملايين، بينهم موظفون ومتقاعدون ومشمولون بصندوق الرعاية الاجتماعية وغيرهم، وأدى عدم صرف رواتبهم إلى انعكاسات عدة على السوق العراقية.

ويقول أحمد وليد، وهو موظف في إحدى دوائر الدولة، إن "الأزمة الأخيرة أثّرت في إنقاقنا بشكل ملحوظ، وبتنا لا نصرف إلا ما يتعلق بالحاجات الأساسية اليومية"، مؤكداً أن "عدداً كبيراً من الموظفين أثقلوا بالديون نتيجة تأخر الرواتب"، ويضيف، "إذا استمرت الحال على هذا النحو، فلن يستطيع الموظفون الاحتمال، خصوصاً مع عدم قدرة طيف واسع منهم على سداد أجور السكن والكهرباء وبقية التفاصيل".

في المقابل، يقول صادق أحمد، وهو أحد أصحاب المحال التجارية، إن "الأزمة المالية الأخيرة انعكست بشكل مباشر على السوق، من خلال تقليل المواطنين لاستهلاكهم، وانحسار ذلك في السلع الضرورية والأساسية"، ويوضح "خسرنا الكثير في الفترة الماضية، خصوصاً أن حركة السوق بشكل عام معتمدة على القدرة الشرائية، تحديداً لطبقة موظفي الدولة"، ومبيّناً أن "غالبية أصحاب الأعمال التجارية في السوق تضررت نتيجة الأزمة".

أما حيدر إحسان، وهو مقاول بناء وإنشاءات، فيرى أن "الأزمة حسرت أعمالنا بشكل كبير، ولم يعد هذا القطاع فاعلاً منذ بداية أزمة كورونا، إلا أن المشكلات تفاقمت بشكل أكبر مع بداية الأزمة المالية وتأخر رواتب الموظفين بشكل متكرر".

وضوح الأزمة ربما يكون ملاحظاً من خلال تكدّس أعداد العمال، الذين باتوا يسعون إلى إيجاد أي عمل ولو بأجور أقل، نتيجة ضعف حركة السوق، في حين أن بعض هؤلاء لجأ إلى البحث عن أعمال بديلة، ويعتمد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كامل على النفط، الذي يشكّل حوالى 95 في المئة من موازنة البلاد، الأمر الذي بدا واضحاً خلال الأزمة الأخيرة بعد الانخفاض الحاد في أسعار النفط في الأشهر الماضية.

 ويسعى رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى الحصول على موافقة البرلمان على قرض داخلي لتسديد أجور الموظفين في محاولة لتقليل الضغط الاقتصادي الهائل على الحكومة.

الاستبيان
هل ترى ان التغييرات في المناصب العليا التي أجراها الكاظمي تندرج ضمن "المحاصصة الحزبية"؟