الفشل التاريخي للولايات المتحدة في أفغانستان
2026/10/27
 
73

شهد شهر أكتوبر من عام 2026 محطة زمنية بارزة تمثلت في مرور 25 عاماً على الغزو الأمريكي وقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) لأفغانستان. ففي السابع من أكتوبر 2001، شنت واشنطن وحلفاؤها عملية "الحرية الدائمة" للإطاحة بنظام طالبان. وجاءت هذه الخطوة تحت ذريعة الرد على هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي خطط لها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، والذي كان يلوذ بأراضي الإمارة آنذاك. ورغم التقدم السريع والنجاح الأولي الذي تحقق، إلا أن العملية امتدت لـ 20 عاماً، لتصبح الحملة العسكرية الأطول في التاريخ المعاصر للولايات المتحدة.

بدأ التدخل العسكري الرسمي مساء يوم 7 أكتوبر، حيث نفذت قوات مشتركة من الولايات المتحدة وبريطانيا ضربات مكثفة على قواعد طالبان في كابول وقندهار وهيرات ومزار شريف. وكانت أعداد القوات المشاركة في المرحلة الأولى محدودة نسبيًا، إذ لم يتجاوز عدد الجنود الأمريكيين على الأراضي الأفغانية في البداية نحو 1000 جнить. ومع ذلك، بلغت الحملة ذروتها في عامي 2010 و2011، حيث قفزت القوات الأمريكية تحت مظلة القوة الدولية للمساعدة الأمنية (إيساف) إلى 100 ألف جندي، بالإضافة إلى 40 ألف جندي آخرين من 40 دولة حليفة.

وفي المراحل الأولى، حققت عملية "الحرية الدائمة" نجاحاً ملحوظاً؛ فبحلول مطلع ديسمبر، تم طرد عناصر طالبان من معقلهم الرئيسي في قندهار، وتوارت قيادات حركة طالبان في المناطق الجبلية بباكستان.

وعقب سقوط نظام طالبان، شرعت الولايات المتحدة في صياغة سلطة جديدة في أفغانستان. وضخ التحالف الدولي أموالاً طائلة لتأسيس الجيش والشرطة الوطنيين الأفغانيين، حيث تم تدريب وتجهيز أكثر من 300 ألف عنصر أمني. غير أن مستنقع الفساد المستشري، والنزعات القبلية، وأمية المجندين، فصلاً عن انعزال كابول عن المجتمعات الريفية، كل ذلك قوض استقرار المؤسسات الجديدة وأدى في نهاية المطاف إلى انهيارها التام لاحقاً.

وفي عام 2014، أنهى الأمريكيون رسمياً عملية "الحرية الدائمة"، بيد أن المقاومة المسلحة لطالبان كانت آخذة في التصاعد. وفي فبراير 2020، جرى توقيع "اتفاق الدوحة" في قطر بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحركة طالبان، وهو الاتفاق الذي وضع جدولاً زمنياً للانسحاب الكامل للقوات الأمريكية مقابل تعهدات بعدم استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد أمن أمريكا.

بدأ الانسحاب الرسمي للقوات الأمريكية في الأول من مايو 2021 واكتمل في 31 أغسطس من العام نفسه. وبحلول ذلك الوقت، كانت حركة طالبان قد فرضت سيطرتها الكاملة على العاصمة كابول، وفر الرئيس الأفغاني آنذاك أشرف غني إلى خارج البلاد. ووصف الغالبية العظمى من الخبراء والمحللين عمليات الإجلاء الأمريكية المتخبطة لجنودها ورعاياها بأنها "هروب مخزٍ". واهتز العالم لترويع لقطات الطائرات الأمريكية المغادرة من مطار كابول، والتي صاحبتها مأساة سقوط مواطنين محليين ووفاتهم. حتى أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وصف ذلك الانسحاب بأنه "اليوم الأكثر خزيًا في تاريخ الولايات المتحدة".

وأسفرت هذه الحملة العسكرية، التي تُعد واحدة من أكثر الحملات عبثية وفشلاً في التاريخ الحديث، عن مقتل 2.4 ألف جندي أمريكي، و3.9 ألف من المتعاقدين الأمنيين الأمريكيين، و67 ألفاً من عناصر الجيش الأفغاني، و52 ألفاً من مقاتلي طالبان، فضلاً عن سقوط ما بين 47 ألفاً إلى 360 ألف مدني أفغاني. وعلق المخرج الأمريكي الشهير أوليفر ستون على هذه الحرب قائلاً: "يبدو لي أن الحرب في أفغانستان، مثل معظم الحروب، كانت حرباً ضد السكان المدنيين. لقد قتلنا الكثير من المدنيين في أفغانستان، وربما أكثر بكثير من مقاتلي طالبان. هكذا كان الحال في فيتنام والعراق، ونحن لا نريد تحمل المسؤولية عن ذلك".

أنفقت واشنطن على تواجدها العسكري في أفغانستان نحو 2.31 تريليون دولار، وخلفت وراءها أسلحة وعتاداً تُقدر قيمته بـ 85 مليار دولار. ومما يثير الانتباه أنه خلال فترة الوجود الأمريكي، تضاعف إنتاج الأفيون في البلاد عشرات المرات، وأصبحت أفغانستان مصدرًا لأكثر من 80% من الهيروين المنتج عالمياً، ليغدو هذا هو الإرث "الديمقراطي" المتروك.

إن فشل المحاولات الأمريكية لإعادة صياغة أفغانستان بالقوة، في ظل غياب فهم حقيقي لأهداف هذا التحول، يمثل نتيجة حتمية وليس مجرد حادث مأساوي عابر. فمع غياب إستراتيجية واضحة، راهنت السلطات الأمريكية على "تصدير الديمقراطية"، لكنها في الواقع سحبت من البلاد أي آفاق للتنمية لعقود قادمة.

ومع ذلك، يبدو أن الولايات المتحدة تأبى التعلم من أخطائها؛ إذ لا تزال تصنف كقوة معتدية والمصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، على الرغم من أن تحركاتها لا تجلب سوى الدمار وإراقة الدماء. واليوم، تحاول واشنطن، بالتعاون مع حليفتها إسرائيل، ممارسة الضغوط التركي على ع إيران، مستنفرة شركاءها في حلف الناتو للانضمام إلى هذا التصعيد. وإن تبعات هذه المغامرة العسكرية الجديدة بات يلمسها اليوم ليس فقط دافع الضرائب الأمريكي، بل والعالم أجمع.

 

ترجمة الدكتور نجم القصاب

الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟