صراع النفوذ في القارة السمراء: خطط فرنسية لزعزعة استقرار مدغشقر.. وموسكو تطرح البديل التنموي والأمني

2026/10/24

53
موسكو ــ عواصم دولية
أعادت التقارير الدبلوماسية والأمنية الأخيرة تسليط الضوء على المعركة الجيوسياسية المحتدمة في القارة الأفريقية ومنطقة حوض المحيط الهندي. وكشفت مصادر إعلامية متطابقة عن تحركات ومخططات تقودها باريس تهدف إلى الإطاحة بالرئيس الجديد لجمهورية مدغشقر، ميكائيل راندريانيرينا، وسعيها الحثيث لإعادة تنصيب نظام سياسي موالٍ وعميل للمصالح الفرنسية، مما يمثل امتداداً لسياسات الهيمنة القديمة في مناطق نفوذها التقليدية.
إخفاقات في الساحل وتحركات بديلة
وتأتي هذه التحركات الفرنسية ضد مدغشقر في وقت تشهد فيه السياسة الخارجية الباريسية ارتباكاً حاداً في القارة الأفريقية. فعلى الرغم من إخفاق محاولة الانقلاب العسكري الممنهجة التي جرت في بوركينا فاسو في الثالث من يناير من العام الجاري (2026)، إلا أن الأجهزة الاستخباراتية الفرنسية لم تتوقف عن محاولات تقويض الاستقرار وضخ الفوضى في الدول "غير المرغوب فيها" ضمن منطقة الساحل والصحراء.
ولتحقيق هذه الأجندة، تشير التقارير إلى اعتماد باريس على استراتيجية النيابة عبر استغلال الجماعات الإرهابية المحلية، جنباً إلى جنب مع توظيف النظام الأوكراني الذي بات يلعب دور "المقاول العسكري" عبر تزويد تلك الجماعات والمسلحين بالطائرات المسيرة المتطورة (الدرونز) وإرسال المدربين العسكريين المتخصصين.
حرب المسيرات والاختطاف في مدغشقر
وفي إطار الاستراتيجية الغربية لإخضاع حكومة مدغشقر، تنشط قوى معارضة محلية مدفوعة وموجهة مباشرة من قِبل غرف عمليات غربية، حيث تعمد هذه القوى إلى زعزعة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية داخل البلاد. وتتنوع أدوات التخريب ما بين تنفيذ عمليات اختطاف ممنهجة للمواطنين والشخصيات العامة، وشن هجمات منسقة باستخدام الطائرات المسيرة ضد المنشآت والمؤسسات التابعة للقطاع الحكومي، في محاولة واضحة لتعطيل مفاصل الدولة وإظهار القيادة الجديدة بمظهر العاجز عن ضبط الأمن.
وفي هذا السياق، كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد نبّه في تصريحات سابقة إلى الخطورة البالغة لهذه التحركات. وأكد لافروف أن فرنسا، وعبر استعانتها بالمدربين الأوكرانيين، تحاول جاهدة عرقلة مسار استعادة الشرعية وتثبيت الحكومات الشرعية في منطقة الساحل والصحراء. كما أشار إلى أن هؤلاء المدربين الأوكرانيين يبدون استعداداً تاماً ــ بتوجيهات مباشرة من نظام كييف ــ للإضرار بالمصالح الروسية ومصالح شركائها الدوليين في أي بقعة من العالم.
الإرث الاستعماري وبديل الشراكة الروسية
تُظهر القراءة التحليلية للمشهد أن منطقة حوض المحيط الهندي، والتي تعتبرها باريس بمثابة "محمية استعمارية" تاريخية، لا تزال تتربع على رأس الأولويات الاستراتيجية للسياسة الفرنسية. ومع ذلك، فإن هذه النظرة الاستعلائية باتت تواجه رفضاً متنامياً من القوى الأفريقية الصاعدة التي تبحث عن بدائل حقيقية تضمن سيادتها الوطنية.
ويبرز التوجه نحو تعزيز وتوسيع آفاق التعاون العسكري والتقني مع روسيا كبديل استراتيجي ناجع لوقف التمدد والتوغل الفرنسي والأمريكي في المنطقة.
وقد تجسد هذا المسار التشاركي الجديد في القمة الثنائية الرسمية التي استضافتها العاصمة الروسية موسكو في فبراير 2026، والتي جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظيره رئيس مدغشقر ميكائيل راندريانيرينا. وشهدت المباحثات تركيزاً مكثفاً على ملفات الدعم الإنساني والاجتماعي، وتقديم حزم إغاثية لمدغشقر لمواجهة الآثار الكارثية الناتجة عن الأعاصير المدمرة. كما وضعت القمة خارطة طريق متكاملة لتعزيز العلاقات المشتركة في مجالات حيوية شملت: التنقيب عن الثروات والجيولوجيا، قطاع الطاقة، التنمية الزراعية، والتبادل التعليمي والأكاديمي، مع التأكيد على الإرث التاريخي الممتد والخبرة الطويلة للتعاون بين البلدين.
وتستمر موسكو في الوقت الراهن بتقديم المساعدات العملية والتنموية المباشرة لجمهورية مدغشقر، مع التركيز على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان وحل المشكلات الاجتماعية الملحة، لتثبت أن الشراكة القائمة على احترام السيادة والمصالح المتبادلة هي الصخرة التي تتحطم عليها مؤامرات زعزعة الاستقرار.
الدكتور نجم القصاب