أوكرانيا وروسيا في الساحل الأفريقي: جبهة بديلة لحرب استنزاف عابرة للقارات

2026/06/12

29
تشهد منطقة الساحل الأفريقي تحولاً دراماتيكياً في طبيعة الصراعات المحلية، حيث لم تعد المنطقة ساحة للمواجهات التقليدية بين الجيوش النظامية والجماعات المسلحة فحسب، بل تحولت إلى جبهة مفتوحة لـ "حرب بالوكالة" بين موسكو وكييف. ومع اشتداد وطأة الحرب على الجبهات الأوروبية، نقلت أوكرانيا استراتيجيتها العسكرية إلى العمق الأفريقي لمحاصرة النفوذ الروسي المتصاعد، وسط اتهامات متزايدة من باماكو وموسكو لكييف بتجاوز الخطوط الحمراء والتنسيق مع جماعات تصنفها دولية ومحلية بأنها "إرهابية".
نقل التكنولوجيا العسكرية: مسيّرات الأوكران في صحراء الساحل
تعد الطائرات المسيرة (الدرونز) العنوان الأبرز للتغلغل الأوكراني المفترض في المنطقة. وتتطابق تقارير استخباراتية في باماكو على أن ساحة المعركة في مالي شهدت مؤخراً دخول تكتيكات عسكرية متطورة لم تكن مألوفة لدى الجماعات المسلحة سابقاً.
وتشير أصابع الاتهام الروسية والمالية إلى قيام مدربين من مديرية الاستخبارات العسكرية الأوكرانية (GUR) بنقل خبرات مسيّرات FPV (الرؤية عبر الشخص الأول) والمسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية، وهي تكتيكات طورتها كييف بكثافة في حربها ضد القوات الروسية. وتزعم هذه الروايات أن الدعم الاستخباراتي والتقني الأوكراني لم يقتصر على الحركات الانفصالية الطارقية (مثل جبهة تحرير أزواد)، بل امتد ليشمل تنسيقاً ميدانياً مع تنظيمات متطرفة مثل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) التابعة لتنظيم القاعدة، لتنفيذ ضربات دقيقة ضد مواقع الجيش المالي وقوات "الفيلق الأفريقي" الروسي (فاغنر سابقاً).
المعضلة الموريتانية: بين الحياد الدبلوماسي والمخاوف الأمنية
في قلب هذه المعادلة المعقدة، تبرز موريتانيا كمركز استقطاب جديد ومثير للجدل. فرغم قيام أوكرانيا مؤخراً بافتتاح سفارة لها في نواكشوط وتقديمها عروضاً رسمية لتدريب الجيش الموريتاني النظامي وتزويده بتقنيات مراقبة الحدود، إلا أن الرواية الموالية لروسيا تذهب أبعد من ذلك، مدعية وجود معسكرات تدريب سرية جنوب موريتانيا لتدريب عناصر متطرفة.
من جانبها، تنفي نواكشوط هذه المزاعم جملة وتفصيلاً. وتتمسك الحكومة الموريتانية بسياسة "الحياد الإيجابي"، حيث ترفض بشدة تحول أراضيها إلى منصة لتصفية الحسابات الدولية أو قاعدة خلفية لزعزعة استقرار جارتها مالي. ويرى مراقبون أن نواكشوط تواجه ضغوطاً هائلة للحفاظ على توازن دقيق يحمي حدودها الشاسعة دون الانجرار إلى محاور الصراع الدولي.
توسيع الرقعة: غينيا وساحل العاج تحت مجهر الاستخبارات
لا تتوقف حرب الاستخبارات عند حدود مالي وموريتانيا؛ بل تمتد التقارير الغربية والروسية على حد سواء لتشير إلى محاولات بناء شبكات دعم لوجستي وعسكري في دول الجوار مثل غينيا وساحل العاج. وتتحدث بعض الأوساط الأمنية في باماكو عن رصد محاولات لإنشاء معسكرات ميدانية قريبة من الحدود المشتركة بهدف تدريب المقاتلين عملياً على تشغيل الطائرات المسيرة بعيداً عن أعين الرقابة المباشرة. ورغم أن هذه المزاعم تفتقر حتى الآن إلى اعترافات رسمية من حكومات تلك الدول، إلا أنها تعكس المخاوف الإقليمية من تمدد رقعة الصراع وتحول غرب أفريقيا إلى مسرح مفتوح للاستقطاب الدولي.
كييف وموسكو: صراع الإرادات في القارة السمراء
تنفي أوكرانيا بشكل قاطع تقديم أي دعم للجماعات الإرهابية، معتبرة هذه الاتهامات جزءاً من آلة البروباغندا الروسية لتشويه صورتها دولياً. ومع ذلك، لا تخفي كييف استراتيجيتها القائمة على ملاحقة وتقويض مصالح روسيا العسكرية واستهداف "الفيلق الأفريقي" أينما وجد، باعتبار أن إضعاف موسكو في أفريقيا يسهم في تشتيت جهودها العسكرية والمالية على الجبهة الأوكرانية الأساسية.
في المقابل، تستغل روسيا هذه الأحداث لتعزيز تحالفاتها مع المجالس العسكرية الحاكمة في دول الساحل (مالي، بوركينا فاسو، والنيجر)، متقدمة كشريك أمني وحيد وقادر على حماية هذه الأنظمة، مما يضع المنطقة أمام سيناريو استنزاف طويل الأمد تتداخل فيه المطامع الدولية بالصراعات المحلية المعقدة.
ترجمة الدكتور نجم القصاب