إنتاج السيادة - بينما نعيد مركزية العراق في ضوء الصراعات الحالية
2026/03/25
 
23


      علاء الطائي 

بينما يبحث العراق عن موقف
في خضم الصراعات التي تعيد
تشكيل المنطقة يظل السؤال عن "موقف العراق" حاضرًا بثقلٍ استثنائي.. لكن السؤال الأعمق
والذي غالبًا ما يتوارى خلف انشغالات اللحظة هو من ينتج هذا الموقف؟ وبأي أدوات؟ وهل الموقف قيمة
 كونية يمكن استعارتها أم أنه نتاج سيادة قادرة على ترجمة الخصوصية إلى استراتيجية؟
ليس غريبًا أن ينشغل الخطاب السياسي والإعلامي بمقارنة "الموقف العراقي" بـ"الموقف الإيراني" وكأن الأول كان دومًا في موقع العجز والثاني في ذروة الحضور.. لكن هذه المقارنة مهما
 بدت منطقية في ظل التوازنات الإقليمية تغفل حقيقة أساسية.. إيران لم تبنِ حضورها الإقليمي لأنها "امتلكت موقفًا" بينما العراق "فقده"
 بل لأنها استطاعت على مدى عقود أن تُخضع مؤسساتها لمركزية قرار جعلت من "الموقف" أداةً لمشروع وطني في حين ظل العراق أسير معادلة مغايرة.. معادلة بناء الدولة
 من دون مشروع وإنتاج السياسة الخارجية من دون سيادة داخلية.

-أولًا.. بينما تُقرأ الأرض عبر عقود الآخرين
المشكلة التي يعاني منها العراق ليست مشكلة "غياب الموقف" كقيمة مجردة. فالتاريخ العراقي الحديث حافل بمواقف كبرى من تأسيس الدولة العراقية إلى مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. لكن ما تغيّر بعد عام 2003 هو بنية اتخاذ القرار نفسها… انهيار الدولة بوصفها مؤسسة جامعة وحلول نظام المحاصصة مكانها جعل من العراق ساحةً لتوزيع النفوذ لا مشروعًا وطنيًا قادرًا على الإنتاج السياسي.
عندما تُبنى السياسة على المحاصصة فإن القرار الخارجي يصبح انعكاس توازنات داخلية هشة لا تعبيرًا عن إرادة سيادية.. وهنا يقع الخلط الكبير كثيرون يتساءلون "أين الموقف العراقي؟" وكأن الموقف مجرد بيان يُصدر أو تحالف يُعلن.. لكن الموقف الحقيقي في جوهره هو قدرة الدولة على الترجيح بين المصالح المتشابكة وهذا لا يتحقق إلا بمؤسسات قادرة على إنتاج قرار وطني غير قابل للاختراق من الداخل أو الابتزاز من الخارج.
إيران بتركيزها على بناء مؤسسة عسكرية - سياسية مترابطة استطاعت أن تجعل من "الموقف" امتدادًا لسياساتها الداخلية… أما العراق بسبب تفكك مؤسساته أصبح "موقفه" أشبه بمرآة تعكس تناقضات الداخل وصراعات الخارج.. ليس عيبًا أن تكون للعراق علاقات متعددة بل العيب أن تتحول هذه العلاقات إلى بديل عن إرادة وطنية جامعة.

-ثانيًا.. بينما التعدد يُقرأ نقطة ضعف
من المفارقات أن العراق يمتلك من الثروات البشرية و الجيوثقافية ما يجعله مؤهلًا لأن يكون نموذجًا إقليميًا فريدًا لكن هذه الثروة تحولت في العقود الأخيرة إلى نقطة استنزاف. التعدد العراقي الذي كان يمكن أن يكون رأس مال استراتيجيًا في عالم يبحث عن جسور التواصل صار يُقرأ عبر عدسات طائفية وحزبية ضيقة حوّلته إلى هشاشة.
إعادة مركزية العراق تبدأ من إعادة قراءة هذا التعدد… ليس كعائق أمام الموقف الوطني بل كمصدر لقوة غير متاحة لغيره.. دولة مثل العراق التي تضم تنوعًا قوميًا ومذهبيًا وثقافيًا فريدًا لا يمكنها أن تبنى "موقفها" على نموذج المركزية الأحادية.. قوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على تحويل هذا التنوع إلى آلية لإنتاج قرار متوازن قادر على مخاطبة الداخل أولًا ثم الانطلاق إلى الخارج بثقة لكن هذا التحول يتطلب هندسة سياسية مختلفة جذريًا.. ليس من خلال فرض مشروع وحدوي يتجاهل التنوع ولا من خلال تسليم الدولة لآليات المحاصصة التي توزع النفوذ دون أن تنتج سيادة.. المطلوب هو بناء نموذج عراقي للدولة قادر على أن يكون ساحة "تقاطع لا محور اصطفاف" وأن يُحدث توازنًا داخليًا يجعله مؤهلًا للعب دور إقليمي غير مسبوق.

-ثالثًا.. بينما البوصلة الاستراتيجية تُفقد
أحد أبرز مظاهر أزمة السيادة في العراق هو غياب البوصلة الاستراتيجية.. ليس بمعنى غياب "المواقف" المؤقتة بل بمعنى عدم وجود إطار مرجعي واضح تنتظم فيه السياسات وتُصنع القرارات.. عندما تكون الدولة أسيرة تفاهمات المحاصصة يصبح القرار الخارجي خاضعًا لمساومات داخلية وتتحول الدبلوماسية إلى انعكاس لميزان قوى هش بين الأطراف المتنافسة.
غياب البوصلة لا يعني الفراغ بل يعني أن البوصلة نفسها أصبحت متعددة.. لكل جهة في السلطة بوصلتها ولكل طرف حليفه الخارجي ولكل مكون قراءته للمنطقة… وهنا يكمن الخطر الحقيقي.. ليست في تعدد الآراء بل في انعدام آلية موحدة لترجيح المصالح.
إعادة مركزية العراق تتطلب إعادة بناء هذه الآلية.. دولة بلا مشروع وطني جامع وبلا مؤسسة قادرة على اتخاذ القرار السيادي ستظل رهينة ليس فقط للصراعات الخارجية بل لصراعات الداخل التي تستعير أدواتها من الخارج.

-رابعًا.. نحو إنتاج السيادة

إذا كان السؤال عن "الموقف" هو السؤال الظاهر فإن السؤال الحقيقي
هو كيف يُنتج العراق سيادته اليوم؟ السيادة هنا ليست مجرد مفهوم قانوني أو خطاب سياسي بل قدرة فعلية على اتخاذ القرار وترجيح المصالح وحماية المشروع الوطني.
هذا الإنتاج يتطلب تحولًا في ثلاث مستويات.

-المستوى الأول.. إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والمساءلة وليس على أساس المحاصصة.
 لا يمكن لسيادة أن تنبثق من تفاهمات توزع المناصب كغنائم بل من مؤسسات قادرة على الفصل بين المصالح الحزبية والمصلحة الوطنية.

-المستوى الثاني.. تطوير إطار استراتيجي وطني للسياسة الخارجية ينطلق من المصالح العراقية العليا لا من التوازنات الداخلية أو الإملاءات الخارجية.. هذا الإطار لا يعني الانغلاق بل يعني امتلاك القدرة على تنويع العلاقات دون أن تتحول إلى تبعات.

-المستوى الثالث.. تحويل التعدد من مصدر هشاشة إلى مصدر قوة.

 وهذا لا يتحقق بشعارات الوحدة بل ببناء دولة مؤسسات التي تحمي التنوع وتضمن تمثيله وفي الوقت نفسه تنتج قرارًا سياديًا لا يمكن اختراقه باسم هذا التنوع.

-بالمحصلة..بينما يصنع العراق موقفه من داخله...
العراق اليوم أمام اختبار استثنائي. اختبار لا يقاس بمدى تشابه موقفه مع موقف غيره بل بقدرته على أن يصنع هذا الموقف "من داخله من تعقيده من تناقضاته" التي يمكن أن تتحول إلى طاقة إذا ما أُحسن إدارتها.
الموقف الحق ليس شعارًا يُستعار بل بوصلة تنبثق من مؤسسات قادرة على الترجيح بين المصالح.. فإما أن يستعيد العراق قدرته على اتخاذ القرار من داخله فيحوِّل تعدده من نقطة ضعف إلى رأس مال استراتيجي وإما أن يبقى رهين التيه تُقرأ أرضه عبر عقود الآخرين ويُسأل أين موقفك؟
 بينما الموقف الحقيقي كان دومًا في يد أولئك الذين يملكون القدرة على إنتاجه من جذوره الوطنية.
الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟