الإمارات.. مشاريع التقسيم والعمالة لإسرائيل
2026/02/27
 
50

الشيخ ولد السالك

في ظلّ العداء الإخواني للإمارات، وفي خضمّ تطورات الأزمة بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، برز خطابٌ متشنّج يعيد إنتاج مفرداتٍ أيديولوجية تنتمي إلى قاموس الستينات والسبعينات والثمانينات، أيام كان طحين العرب جعجعة وحروبهم لغةً خشبية. المشكلة ليست في الاختلاف مع الإمارات، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى خطاب تخوين يُقصي السياسة ويستدعي شعارات لم تعد صالحة لإدارة واقعٍ إقليمي تغيّرت قواعده. هذا الخطاب لا يكتفي بتوصيف الخلاف السياسي، بل يسعى إلى تأطيره ضمن ثنائية تخوينٍ حادّة، عبر ترديد اتهاماتٍ من قبيل “التجسس لإسرائيل”، و”مشاريع تقسيم الوطن العربي”، و”التأثير على الأمن القومي العربي”، وكأنّ المنطقة لم تعبر عقوداً من التحولات، ولم تتبدّل خرائط القوة والتحالف، ولم تتغير أولويات الدول في عالمٍ تحكمه المصالح المعقّدة لا الشعارات الجامدة.

إنّ هذا الاستدعاء الانتقائي للتاريخ يتجاهل أنّ مفهوم الأمن القومي العربي نفسه قد تغيّر؛ ففي زمن الشعارات الكبرى كان الصراع يُختزل في ثنائية جامدة: عدوٌّ مطلق وصديقٌ مطلق. أمّا اليوم، فإنّ السياسة تُدار بمنطق المصالح المركّبة، وتوازنات الردع، وتحالفات الضرورة. ومع ذلك، يُصرّ خصوم الإمارات على ترسيخ فكرة أنّ إسرائيل عدوٌّ دائم وثابت خارج سياق التحوّلات، متغافلين عمّا تحقق من مسارات تهدئة واتفاقات أعادت تعريف أدوات الاشتباك السياسي، وفي مقدّمتها اتفاقيات إبراهيم، التي قُدّمت بوصفها خياراً استراتيجياً لفتح قنوات تأثير جديدة، لا إعلاناً لنهاية التاريخ أو تخلياً عن الحقوق.

مسار الانفتاح العربي على إسرائيل لم يعد استثناءً معزولاً. فقد اختارت دول عربية عدة الانتقال من منطق القطيعة إلى منطق التفاوض، ووقّعت اتفاقات سلام أو أعادت ترتيب قنوات الاتصال

ولا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن حقيقة أوسع: أن مسار الانفتاح العربي على إسرائيل لم يعد استثناءً معزولاً. فقد اختارت دول عربية عدة الانتقال من منطق القطيعة إلى منطق التفاوض، ووقّعت اتفاقات سلام أو أعادت ترتيب قنوات الاتصال. وحتى الدول التي لم توقّع رسمياً لم تعد أسيرة الجمود القديم؛ إذ شهدت المرحلة الماضية انفتاحاً تدريجياً في الخطاب والاتصالات، وتداولت وسائل إعلام دولية أخباراً عن لقاءات واتصالات معلنة وغير معلنة بين السعودية وإسرائيل، فضلاً عن نقاشات علنية حول ترتيبات إقليمية جديدة كانت تشق طريقها بوساطة أميركية قبل أن تعيد حرب غزة خلط الأوراق. وهذا كله يعكس تحوّلاً في التفكير الاستراتيجي الإقليمي، لا يمكن اختزاله في معادلة تخوين طرفٍ وتبرئة آخر.

إن توصيف هذا التحوّل بوصفه “تفريطاً” حين يصدر عن الإمارات، وتجاهله حين يصدر عن غيرها من الدول العربية، يكشف أن المشكلة ليست في المسار نفسه، بل في ازدواجية الخطاب حوله.

المشهد اليوم أكثر تركيباً من اختزاله في ثنائية التخوين والتبرئة. فحالة المراوحة التي طبعت الصراع العربي–الإسرائيلي لعقود، بين لا حربٍ تحسم ولا سلمٍ يكتمل، ولّدت لدى قطاعاتٍ من الرأي العام شعوراً بالإنهاك من استمرار الجمود ومن توظيف القضية الفلسطينية في صراعات المحاور الإقليمية. وفي هذا السياق برزت دعوات تطالب بإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، ورفض تحويل القضية إلى أداة صراع داخلي أو إقليمي. وهنا يتبدّى التناقض في خطاب خصوم الإمارات: فمن جهة يُدان أي انفتاح دبلوماسي باعتباره تفريطاً، ومن جهة أخرى تتصاعد أصوات تدعو إلى قراءة مختلفة للمصالح الوطنية. إنّ حصر المسألة في اتهام الإمارات بتفكيك “الثوابت” يتجاهل تحولات أعمق في الوعي السياسي العربي، حيث لم يعد الشارع يقارب الملفات بذات الأدوات الخطابية التي سادت قبل نصف قرن.

بناء المستقبل، فلا يكون باستدعاء معارك الماضي، بل بإدارة الخلاف بعقلٍ سياسي ناضج يدرك أن العالم تغيّر، وأن أدواته تغيّرت معه

ومن المفارقة أنّ الخطاب ذاته يتعامى عن الخطر الإيراني المتنامي في الإقليم. فإيران لم تكتفِ بخطابٍ أيديولوجي، بل رسّخت نفوذاً مباشراً وغير مباشر في عواصم عربية عدة عبر أذرع عسكرية وتنظيمات مسلحة عابرة للدولة في اليمن ولبنان والعراق وسوريا. هذا التمدد لم يكن نظرياً؛ بل تُرجم إلى صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت العمق السعودي، في مشهدٍ يمسّ الأمن والاستقرار الإقليميين. ومع ذلك، لا نجد في الخطاب المعادي للإمارات ذات الحماسة في إدانة هذا الاختراق البنيوي للأمن العربي.

بل إنّ المفارقة الأبرز أنّ الجهة التي خاضت المواجهة العسكرية الأشد مباشرة مع تلك الأذرع في أكثر من ساحة كانت إسرائيل، بدعمٍ سياسي وعسكري من الولايات المتحدة. وبغضّ النظر عن الموقف الأخلاقي أو السياسي من هذه المعادلة، فإنّ القراءة الواقعية تشير إلى أنّ إضعاف الشبكات المسلحة المرتبطة بطهران أسهم في تقليص هامش مناورتها الإقليمي. فكيف يستقيم تحميل الإمارات وزر “تهديد الأمن القومي”، بينما يتم تجاهل صواريخ عابرة للحدود وتنظيمات عابرة للسيادة؟

إنّ تحويل الخلاف السياسي إلى منصة لإعادة تدوير تهمٍ عفا عليها الزمن لا يخدم سوى خطاب تعبوي يقتات على الانقسام. فالدول لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على حماية مصالحها، وتنويع تحالفاتها، وبناء نموذج تنموي مستقر. وقد اختارت الإمارات أن تتحرك ضمن براغماتية الدولة لا عاطفة الجماعة، وهو خيار يمكن مناقشته، لكن لا يمكن اختزاله في تهمة.

إنّ الخلاف السياسي، مهما اتسع، يظلّ جزءاً طبيعياً من حيوية المجال العام. لكن تحويله إلى معركة تخوين لا ينتج سياسة، بل يعطّلها، ولا يحمي الأمن القومي، بل يختزله في شعاراتٍ عاطفية لم تعد قادرة على تفسير تعقيدات الواقع. المنطقة تتغير، وتوازناتها تُعاد صياغتها، وأدوات إدارتها لم تعد هي ذاتها التي حكمت عقود الشعارات الكبرى. ومن حق أي دولة أن تُناقَش خياراتها، لكن ليس من حق أحد أن يُجرِّم الاجتهاد السياسي لمجرد اختلافه معه. فالسياسة تُدار بالحجج لا بالاتهامات، وبالمصالح المعلنة لا بالمزايدات. أما بناء المستقبل، فلا يكون باستدعاء معارك الماضي، بل بإدارة الخلاف بعقلٍ سياسي ناضج يدرك أن العالم تغيّر، وأن أدواته تغيّرت معه.

الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟