قصتي مع الحلم الإماراتي
2026/01/24
 
39

الشيخ ولد السالك

قبل ثلاثة عقود من الزمن، كان الحلم الأمريكي يسكن وجداني، كحال أي شاب موريتاني يتطلع إلى تحسين واقعه في مقتبل العمر، بوصفه "الجنّة المؤجَّلة".

على الضفة الأخرى من الأطلسي، كنت أرى الفردوس المنشود في خرائط الأفلام وإحداثيات الفرص. لكن الرياح — من حيث لا يشتهي الربّان — دفعت قاربي إلى اتجاه آخر: الخليج العربي، وتحديدًا دولة الإمارات العربية المتحدة.

على مرفأٍ لم أكن أرى فيه حلمي آنذاك، رسا قاربي بمنحةٍ دراسية كريمة من أمير الشارقة، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حفظه الله. كان الجميع متشككًا، يردد: لماذا قتلت حلمك وحلمنا فيك؟ وهل الخليج العربي وجهة للتعليم أصلًا؟

مرت السنين، وتخرجت من كلية الإعلام بجامعة الشارقة. وكانت تلك السنوات كفيلة بتبديد الشكوك التي راودتني. فتحت لي الجامعة أبوابها، حيث درست الإعلام، وتعلّمت — دون أن أدري — لغة المستقبل قبل أن أتعلم مفردات المهنة. في تلك الفترة، بدأ الحلم الأمريكي يتراجع في داخلي ببطء، حتى استبدلته روحي بالحلم الإماراتي.

على مدى ما يقارب ثلاثة عقود، كنت شاهدًا على عمرانٍ لا يُشيَّد بالحجر وحده، بل بالفكرة المبدعة والإرادة الصلبة. مدنٌ تنمو كما تنمو الأشجار؛ أصلها ثابت وفرعها في السماء. اقتصادٌ لا يرضى بتكديس المال، بل يسعى إلى توظيفه أحسن توظيف. وتجديدٌ دينيّ لا يصادم العصر ولا يبتذل المقدّس؛ دينٌ يرتقي بالإنسان ويُزكِّيه، ويزرع الطمأنينة بدل الخوف، والسلام بدل الحرب.

في الإمارات، رأيت أكثر من مئتي جنسية تتجاور كما تتجاور الألوان في لوحة فنية واحدة؛ لا ذوبان ولا صراع، بل انسجام هادئ واحترام متبادل.

لا يُطلب من المقيم أن ينسى جذوره، ولا يُمنع من أن يضيفها إلى الحديقة العامة. فالإمارات لا تُعلِّم التسامح نظريًا، بل تبثّه في البيئة وفي تفاصيل العيش اليومي، حتى يصبح سلوكًا راسخًا لا ثقافةً استعراضية.

ولا تكتفي الإمارات بغرس القيم الإنسانية، بل تسقيها، فتزرع في كل مقيم شعورًا عميقًا بالكرامة؛ فيشعر أنه مرئيّ، مسموع، ومحميّ بالقانون. وتمضي أبعد من ذلك، فتعلمه الحديث بلغة يحتاج المواطن في دول عربية أخرى إلى سنوات ليفهمها.

فالذكاء الاصطناعي ليس شعارًا، بل سياسة ثابتة، وتطور علمي يواكب تفاصيل الحياة اليومية. ومتاحف المستقبل ليست ديكورًا، بل ذاكرة قادمة من الغد. وحين صعد أبناؤها إلى الفضاء، لم يكن ذلك استعراضًا، بل رسالة حاكم إلى شعبه بأن السماء ليست حدًّا.

وزارات بأسماء لم نألفها: السعادة، التسامح، الذكاء الاصطناعي… وكأن الإمارات قررت أن تحوّل ما كان يُعدّ أحلامًا وأحاديث نفس إلى سياسات عامة. تمكين المرأة لم يكن حملة علاقات عامة، وتمكين الشباب لم يكن شعارًا أجوف؛ ففي الإمارات لا يحبّذ الحكّام سماع كلمة "المستحيل"، لأنها — ببساطة — كلمة كسولة.

إن التحدي الأكبر لأي مقيم في الإمارات هو العودة إلى وطنه الأصلي؛ فالإمارات ترفع في الروح سقف الأحلام، فتغدو العودة امتحانًا قاسيًا للذاكرة.

لا تدّعي الإمارات أنها دولة عظمى، لكنها دولة صنعت الفرق. والفرق لا يصنعه المال وحده، فالنماذج حولنا شاهدة. ما يبني الدول هو الهمة، والحكم الرشيد، والإنصات الحقيقي للناس. مجالس الحكام مفتوحة، يدخلها المواطن بلا موعد ليقول ما يريد؛ لا باعتبار ذلك تفصيلًا بروتوكوليًا، بل فلسفة حكم.

الإمارات لم تغيّر مسار قاربي فحسب، بل غيّرت بوصلتي. وحين أنظر اليوم إلى الأطلسي، لا أبحث عن الجنة هناك؛ فقد وجدتها هنا، على ضفاف الخليج، حيث تعلّمت أن الأحلام لا وطن لها، لكن بعض الأوطان تُحسن تحقيق الأحلام.

وتؤكد التجربة الإماراتية أن مكانة الدول في هذا العصر لم تعد تُقاس بمساحتها الجغرافية أو بعدد سكانها، بل بما تحققه من إنجازات نوعية، ورؤية طموحة ثاقبة، وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. فقد استطاعت الإمارات، خلال فترة زمنية وجيزة، أن تفرض حضورها العالمي نموذجًا للتنمية والابتكار والاستقرار، لتثبت أن التأثير الحقيقي يصنعه العمل والإنجاز، لا الحجم ولا العدد.

الاستبيان
برأيك ايهما افضل؟