ثلاثية تشريح العجز الاختياري(٢)

2026/01/07

51
علاء الطائي
السيناريوهات والمخارج -
هل يمكن كسر دائرة العجز؟
إذا كشفت الحلقة الأولى عن "القانون الحديدي" للتعادل السلبي فإن السؤال المصيري الآن.
إلى أين تقود هذه الدائرة المفرغة؟
خصوصاً أن "التسوية الخارجية" كآلية هروب لم تعد مُرضية حتى لأصحابها.
١. نهاية صلاحية نموذج "التسوية"
لم يعد نموذج "المرشح الخارجي المحايد" قابلاً للتكرار وذلك لأسباب جوهرية.
· تراكم الفشل.. كل حكومة تسوية تركت أزمات أعمق "فساد مُسْتَشْرٍ- خدمات منهارَّةْ -انقسامْ اجتماعي". الشارع لم يعد يصدق "وجهاً جديداً" يحمل وعوداً قديمة.
· استنفاد الخزان البشري.. دائرة "الشخصيات المقبولة من الجميع والضعيفة لدى الجميع" ضيقة جداً.
· تعقيد الملفات.. العراق أمام خيارات مصيرية "العلاقة مع الغرب وإيران- ملف الطاقة- الإصلاح الاقتصادي" تتطلب قيادة حازمة وهو ما يتناقض مع طبيعة "رئيس التسوية".
الخلاصة… آلية الهروب إلى الأمام بدأت تصل إلى طريق مسدود.
٢. الضغوط الجديدة.. قوى قد تهز جدار الجمود
أ. الضغط الشعبي… صبر الناخب
له حدود.
الاحتجاج تحوّل إلى حالة كامنة من الرفض. الانتخابات الأخيرة ورغم مشاركة تجاوزت 56% تحمل رسائل متعددة.
. شرعية متجددة من جهة وإن كانت هشّة
. وإشارة واضحة من جانب آخر بأن شريحة كبيرة لا تزال خارج المعادلة.
النظام يتمسك بورقة التصويت كمتنفس للشرعية لكنه يعمل بحذر مشوب بتلكؤ واضح.
إنه يمشي على حبل مشدود. يحاول تحقيق توازنات داخلية ضيقة بينما تتراكم على أطرافه تحديات الشرعية الخارجية والأداء.
هذا التعثر في عملية الاختيار والبناء وهذه البطئة في الاستجابة قد تحوّل "ورقة التصويت" من مصدر قوة إلى غطاء يخفي تحته مخاطر التراكم.
الاستمرار في هذه اللعبة - حيث تُدار الخلافات الداخلية على حساب الفاعلية والثقة العامة - لا يلغي حساب الجماهير.
إنه يؤجل الانفجار لكنه قد يزيد من حجمه لو حدث لأنه يطيل أمد التعطيل ويوسع دائرة الساخطين. الشرعية لا تُكتسب بورقة انتخابية وحسب بل تُحافظ عليها بقرارات حاسمة وحوكمة رشيدة تلامس صبر الناس وأولوياتها.
ب. التحول الإقليمي والدولي.
لعبة المصالح الكبرى تتغير
· الملف الإقليمي.. التهدئة مع الخليج وأصوات التطبيع وملف أمن الطاقة تحتاج حكومة قادرة على قرارات استراتيجية.
· الرهان الأمريكي-الإيراني.
قد تدفع الحاجة لـ"استقرار يمكن إدارته" نحو دعم طرف داخلي قوي يمكنه فرض أمر ما.
ج. الأزمة الاقتصادية.. النفط لم يعد كافياً
مع تذبذب أسعار النفط واتجاه العالم للطاقة المتجددة أصبح نموذج "توزيع الريع" مهدداً.
. أزمة مالية حقيقية قد تفرض خيارات قاسية.
. إصلاح حقيقي أو انهيار كامل.
٣. السيناريوهات المحتملة.
أربعة مسارات للمستقبل
.السيناريو الأول.
الانهيار التدريجي "المرجح"
· الآلية… استمرار لعبة التوازن الداخلي.
· النتيجة… تفاقم الأزمات فقدان السيطرة على المحافظات ظهور قوى جديدة من خارج المنظومة.
· الحصيلة… بقاء الإطار شكلياً مع فقدان الهيمنة الفعلية.
. السيناريو الثاني .
الصدمة والانقسام "الممكن"
· الآلية… فشل ذريع في تشكيل الحكومة أو أزمة كبرى "انهيار العملة".
· النتيجة… انشقاق تيار كبير مدعوم إقليمياً.
· الحصيلة… حرب أهلية داخل "البيت الشيعي" مع تدخلات إقليمية.
. السيناريو الثالث .
الإصلاح المفروض من الخارج
· الآلية… وصول الأزمة لدرجة تهديد الاستقرار"عودة داعش تدخل تركي مباشر".
· النتيجة.. فرض "صفقة سياسية" قاسية من المجتمع الدولي.
· الحصيلة.. تراجع مؤقت لهيمنة الكتل التقليدية مع استمرار الاحتقان.
. السيناريو الرابع .
التحول الجيلي من الداخل"الأقل احتمالاً"
· الآلية… وصول جيل جديد من القيادات "خبراء وكفاءات" لمراكز القرار.
· النتيجة… تبني "الورقة المفاهيمية" بجدية.
· الحصيلة… تحول تدريجي نحو المؤسسية مع بقاء قيود الموروث.
٤. المفارقة الكبرى.
لماذا قد يختار الإطار "الانتحار البطيء"؟
العقلية الحالية قد تدفع لاختيار السيناريو الأول "الانهيار التدريجي" لأنه.
· يتجنب المواجهة الصفرية بين الأقطاب.
· يحافظ على المكاسب الفردية لأطول فترة.
· يؤجل "يوم الحساب" على أمل معجزة تنقذ الموقف.
هذا هو جوهر المأساة.
نخبة تفضل المخاطرة بمستقبل البلاد على المخاطرة بمكاسبها الآنية… إنها "عقلية المستأجر" لا "عقلية المالك" للدولة.
بالنهاية… بين مطرقة الشارع وسندان المصادر
العراق أمام مفترق تاريخي.
· الطريق الأول… الاستمرار في "توازن الضعف" و"التسوية الهروبية" "يؤدي لانهيار تدريجي أو انفجار عنيف".
· الطريق الثاني… محاولة تحول جذري نحو المؤسسية والكفاءة "طريق محفوف بالمخاطر لكنه الوحيد لإنقاذ الشرعية طويلة المدى".
كل المؤشرات تشير لسيطرة النزعة قصيرة المدى.
النخبة تشبه ركاب قارب يثقب كل منهم جانبه ليحصل على مساحة أكبر غير مدركين أنهم جميعاً في طريقهم للغرق.
والسؤال المركزي..
هل سيأتي "الكسر" من صحوة داخلية استباقية أم من صدمة خارجية قاسية؟
الفارق هو الفارق بين التحول البناء والانهيار المدمر.