الحسين.. فِداء يلد الخلود
2022/08/08
 
932
حسين العادلي

   بعد أن ملأت تلك الوحوش الخافقين، لتستقطر سماء حقدها سموماً ولتحلب ناقة مجونها فتكاً،.. وبعدما ترشح من أغوارها ترسبات الأقذار لتقتل كل البراعم والأزهار،.. وبعدما أُحكمت دائرة الموت وأُكمل نطاق الإستئصال لموكب النور...  
   هناك، وسط رائحة المجازر حيث تُنحر الأفكار والأبدان، وحيث يتحد الشهيق والدُخان.. وقف الحُسين وحيداً يُرسل أنواره كما تُرسل الشمس الغاربة آخر أنوارها إلى الأرض... 
   وقف وحيداً يرمق بحنين تلك الأرواح الصاعدة المتحدة بموج الخلود،.. وقف الحُسين وحيداً ووقف الزمن كلّه معه لولادةٍ جديدة، فالشمس حُبلى بالنهار... 
   وقف يرمق يوماً جديداً ولكن لا كسابق الأيام.. يومٌ في السماء ويومٌ في الأرض.. يومٌ تتزين فيه السماء لوافدها الجديد، فإنَّ مَنْ يمت يولد لعهدٍ جديد،.. ويومٌ على الأرض.. فستُضخ في عروق زمن الأرض الآتي دماء جديدة تحول دون الخنوع، وستكتسي الأرض غداً بوشاح العزة لا الخضوع، وسيُحدد طريق الدم هذا سُبُل السالكين لمنازل العلياء...
   وقف الحُسين وحيداً كسراجٍ وسط بحر الليل، وقد أقرض الله والجموع روحه.. فبعد رحيل الكُل، شحذ الحُسين إرادة القوة الكامنة في مشكاة التضحية، فلا صدق للإرادة إن لم تُتوج بالتضحية، فالإرادة البائسة المتسترة بالسلامة ليست سوى خرقة بالية تتهرأ عند أول عاصفة ابتلاء... 
   هكذا يفعل الخالدون، عندما يسحقون آخر عُزلة لهم المسمّاة بالسلامة، ليُحرروا طاقة مشكاة التضحية، وليشع زمنهم بأنوار التاريخ.. فما لمشاعل التاريخ سوى زيت الصبر والدم، ومَنْ يطلب الخلود عليه أن يهب الإرادة بأكملها للفداء...
   وقف الحُسين وحيداً، وقد حان زمن الرحيل واقترب الغسق.. وتقدمَ.. تقدم... لتأخذ الأقزام أقرب طريقٍ للفرار.. أخذت زعانف القوم ترتعد.. فيا للهول، فهؤلاء الغوغاء ليس لهم سوى حفنة الآمال.. وهذا القادم من رَحَم الفِداء هبَّ عليهم كالرياح اللوافح ليقتلع العفن ويحصد المجون،.. فأخذت فرائصهم بالإرتعاد، وجوارحهم بالإرتعاش، وإرادتهم بالخَوار.. والقادم من ذُرى الشموخ، المشتعل بغرام التضحية يتقدم.. يتقدم.. والجمع يُهزَم.. وليس لهم سوى مقارع الطبول وحناجر الصائحين، وجنون الخوف يلذعهم... 
 وتَقَدم.. والجَمعُ يُهزَم...
   ...
   ومن عمق الإندحار، من غور الهزيمة،.. أدرك الأوغاد إعتلال الميزان، فليس للعباب من مرسى، وليس للخائف من سكون.. أدركوا الإنهيار وتساقط العزيمة، فاختاروا المواجهة بالحجارة والنَبلِ والسِهام.. وهم أُلوفا!! فما لخورهم من شهيقٍ قبال عاصفات التضحية، فإنَّ العزيمة التي تُقاتل، ومَنْ عَهِدَ الباطل فلا حظ له بالقوة... والفاتح لعهد الفجر يتقدم.. والجمع يُهزم.. يتقدم.... يتقدم... وأوسمة الجراح بدأت تشق الأخاديد على جسده... 
   ها قد بدأ معراج الروح  ياحسين.. ها قد أزفت الساعة أيها المشتعل بغرام الرجولة،.. وها قد سال دمُك ياحُسين ليطرد الأقذار المتراكمة من سوس الفساد وقروح التآمر ونتن الخنوع....
   ...
  وتسابقت السهام في اختيار المواضع من جسد الحسين، والروح تدفع بزفرات الإرتياح لا بأنين الألم.. 
وها قد بدأت الروح تتحرر من سجن الجسد،.. فكما الكلمة مقبرة للمعنى فالجسد مقبرة للروح.. وكلما كانت الروح عظيمة كلما ضاق بها الجسد،.. وما أشد مأزق أجساد العظماء وأشقاها بأرواحهم!!
   ما أروعكِ يا روح وقد صيّركِ الدم نبراسا!! وما أروعكَ يا دم وقد منحتكَ الروح المعنى لتلد الشهادة!! فأنتِ يا روح مأذنة الآفاق ومنار العز،.. والإنتهاء معك يا دم ابتداء... 
   ...
   وتكاثرت أوسمة الجراح على الجسد، لتغمره الدماء كما تغمر أنوار الشموس قِمم الشاهقات.. 
   عندها، وبعد أن كسته ثياب الدم كالأكفان،.. وقف الحُسين يحنو على جروحه ويُعالج جداول الدم.. عندها تقدمت كتلة الرعاع كما تتقدم العقارب التي تقطر سماً وصديداً، وانسلّت تلك الأفاعي من شعاب الخوف والظلام.. وتعالى الصراخ بين أكوام الأقذار مُزمجراً صاخباً مُفتشاً عما يتسلح به من انتقام... 
   وفجأةً، اختلس أحدهم الزمان والمكان ليضرب الحُسين على رأسه، فامتلأت القلنسوة دماً، فدعا بخرقةٍ وشدَّ بها رأسه،.. ليهبَّ بعدها كالرياح تقتلع الراسيات رغم الوهن،.. وهم يتطايرون بين يديه كالذباب لا يجيد سوى مناورة الطنين...
   واندفعوا إليه بعد أن هدّهُ العطش ونال من ساعده الضَعف،.. بالسهام والرماح!!.. جراحٌ وجراح،.. جراحٌ وجراح... لقد أُثقل الجسد بزخم الجراح.. سهمٌ في الجبهةِ، سهمٌ في العينِ، سهمٌ في الصَّدرِ، وسهمٌ في القلبِ مُشعّب.. ليخر الجسد أخيراً،.. فقد أدّى حق الزحف....
   ...
   وقفت حِمم البركان أخيراً، ولامس الجسد الأرض!!.. لقد آنت الولادة ياحُسين ليومٍ في السماء ويومٍ في الأرض مُخلّد... 
   وتقدمت الزعانف تدنو ببطء، فلعل المارد يُبعث!!.. وتقدمت وأيقنت أنَّ الجسد سجين الجراح!!.. الجسد سجين الجراح.. فبالسيف قطع الأول كفه، والثاني عاتقه، والثالث بالرمح فصرعه، والرابع والخامس والسادس...!!! وهو يتوهج، مع الألم وبالجُرحِ يتوهج،.. فها هي لحظات الولادة تدنو، ليومٍ بالعزِ مُجلل....
   ...
   عندها، وعند مسرح آخر اللحظات في دوحة التسليم لبقايا الروح.. ينبعث شمر الأشقى، مسخ الإنس، لنحر هذا الوهج.. إثنتا عشرة ضربة، ومن الوريد إلى الوريد.. لنحر هذا الوهج!!.. وشفتا المذبوح ترسم للكُنه بدائع: ((اللّهم متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غنيّ عن الخلائق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء،.. أتوكل عليك كافياً.. اللّهم احكم بيننا وبين قومنا بالحق، واجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً، يا أرحم الراحمين))...
   وما هي إلاّ ثوان حتى عانق الحُسين الملكوت.. فقد اشتقاق إليه المصدر، وحنّت إليه أركان الوجود.. (( يا أيَّتُها النَّفسُ المُطمئِنَّةُ. ارجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيةً مَّرضية. فادْخُلي في عِبادي وادخُلي جَنَّتي)).
الاستبيان
هل ترى امكانية تشكيل حكومة جديدة من قبل الاطار التنسيقي؟