كالفـئـران تجـذبـنـا المصـيـدة .. لا الجـبـنـة !!..
2022/06/23
 
325

 شيـخة المحروقـية

هل تعلم أن الفئران تأكل الجبن فقط عندما لا يكون لديها خيار آخر؟ بمعنى أن الفئران لا تحب الجبنة كثيرًا، وهي الخيار الأخير في قائمة الأطعمة المفضلة لديها، ومع ذلك فإنها تنجذب نحو المصيدة إذا ما وُضعت الجبنة فيها.

بعضنا كالفئران التي تميل بالفطرة إلى الوقوع في الفخ الذي نُصب لها، تسعى لأجل قطعة جبن رغم أنها تحب زبدة الفول السوداني والشوكولاتة أكثر، ورغم أن كل هذه الخيارات المفضلة متوفرة في المخزن أو المطبخ أو في أي مكان آخر باستثناء المصيدة، إلا أنها تترك ذلك سعيًا وراء قطعة جبن ستكتب لها هلاكها ونهايتها، الفرق بيننا وبين الفئران أنها تموت بسرعة في المصيدة بينما نحن نتهالك تدريجيًا ونهايتنا تكون نتيجة تراكمية إلا إذا وضعنا أنفسنا تحت المراقبة والمحاسبة، فنحن في حياتنا ننجذب نحو المصائد بصور عديدة، أبسطها التنزيلات التجارية وأكثرها تعقيدًا الشؤون السياسية.

على الرغم أن البضاعة أمام أعيننا طوال العام ورغم أن خزاناتنا ملأى بالأغراض المتكدسة طوال سنوات؛ إلا أننا نتهافت على عروض التنزيلات وكأنها المرة الأخيرة التي سنحصل فيها على مرادنا، دون أن نفكّر قليلًا هل نحن بحاجتها فعلاً؟ لقد مر عام أو أقل بقليل أو أكثر بقليل وهذه المنتجات في مكانها لم نتجه إليها، وما أن نعلم أن هناك تخفيضات على قيمتها – هذا إن كان التخفيض حقيقياً – نتسابق على الشراء دون أن يكون هناك سبب أو ضرورة، وغالبًا نشتريها وهي في الأصل لا تعجبنا، ولكننا وقعنا نفسيًا وذهنيًا في المصيدة: وَهْمُ الفرصة أو الصفقة أو الحظ السعيد أو “الذي لن يتكرر”!! ربما هناك من ينتظر موسم التنزيلات لابتياع ما يعتقد أنه يحتاجه، ولكنها تبقى مصيدة؛ لأن ما يحتاجه المرء بشدّة سيسعى إليه في حينه، ولن يطيق ثانية للانتظار حتى يحين موسم التخفيضات، وفي الواقع إن هذا النوع من العروض التجارية زرع في أذهاننا وهمًا بأن الكماليات هي ضروريات حتى نتلهف بشدة لاقتنائها.

من المصائد التي تعمينا كثيرًا ونتجه إليها بوجه باسمٍ وسعيد عروض شركات الاتصالات المتمثلة في الباقات التي تمنح المشترك خدمات ليس بحاجتها ولا يستفيد منها، أو قد يحتاج بعضها في فترات معينة، وهنا لا أتحدث عن أولئك الذين تعتمد أعمالهم وتجارتهم كليًا على هواتفهم، بل أتحدث عن الغالبية العظمى التي تعتقد أن التواصل الاجتماعي ضرورة مُلحّة .. الباقات أسلوب ترويجي تستخدمه العديد من المؤسسات التجارية؛ بيد أن شركات الاتصالات هي الأكثر تقديمًا لها، كأن يقوم المشترك بدفع مبلغ معين شهريًا لقاء باقة من المكالمات اللا محدودة وعدد من بيانات الإنترنت والتجوال، وأحيانًا هناك من الخدمات المطروحة في الباقة ما لا يفهم معناها ولا يعرف متى وأين وكيف يستفيد منها، إلا أن هذا الكم الكبير من الخدمات مقابل مبلغ بالاستطاعة دفعه شهريًا على مدى سنة أو سنتين يُعد مغريًا، فإن كانت هناك فترة سيتمكن فيها المشترك من استغلال هذه الخدمات على أكمل وجه، فهو في معظم أوقات السنة لا يستفيد منها بالقدر الذي يعادل قيمتها؛ ففي نهاية كل شهر يجد أنه لم يجرِ مكالمات كثيرة ومطوّلة، ولم يستهلك كل بيانات الإنترنت، ولم يسافر حتى يستفيد من خدمة التجوال!.

في حياتنا الاجتماعية مصائد كثيرة، ولكن سأركّز على أبرز مصيدتين : أولهما فكرة “العمر يمضي .. سيفوتك القطار”، بمعنى أنه يجب على الشاب أو الفتاة أن يُقدما على الزواج مبكرًا، دون أن يترك لهما مجالٌ للتفكير والتساؤل : هل يجب أن أركب هذا القطار الآن ؟ هل أنا بحاجته ؟ هل أنا مستعدٌ لتحمّل ما سيحدث وما سأواجهه في كافة محطاته ؟ هل أعرف إلى أين يتجه ؟ هل هو القطار الوحيد في هذه الحياة ؟ .. أسئلة كثيرة يحتاج الإنسان للإجابة عليها قبل صعود هذا القطار، ورغم اعتراف الكثيرين بأنهم وقعوا في المصيدة، يستمر آخرون في التوجّه إليها بمجرّد أن يُرمى على مسامعهم الطُعم : “سيفوتك القطار!!”.

والفخ الآخر هو : “البر بالوالدين”، إذ يستغل الكثير من الآباء والأخوة والمجتمع هذا الواجب العظيم للدفع والتأثير بالشخص حتى يقوم بما يفوق طاقته وقدراته؛ كأن يُلزم بتحمّل أعباء مادية وقروض كثيرة ومسؤوليات ليست بمسؤولياته واتخاذ قرارات مصيرية كالزواج ممن لا يناسبه اعتقادًا أنه يُحسن إلى والديه أو يحمي عائلته؛ بينما هو في الواقع يتعرض للاستغلال القاتل الذي يُنهكه ويثقل كاهله، وهنا لا يعني أن يُهمل المرء أبويه وألاّ يُحسن إليهما؛ فهناك الكثير مما يجب عمله لأجلهما برًا وإحسانًا، ولكن بما يُرضي الله الذي قال في كتابه الكريم : “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”، لست بصدد التصوير السلبي لهذا الواجب العظيم الذي أمرنا به رب العالمين والذي نرتجي منه رضا الله وجنته؛ بل للوقوف لحظة والتفكّر به أثناء تأديتنا له، ونميّز متى يكون برًا وإحسانًا ورحمة بوالدينا الحبيبين ومتى يكون استغلالاً وهلاكًا لنا.

أما السياسة، فهي بحد ذاتها مصيدة كبيرة تضم أفخاخاً وألغاماً صغيرة، فالشؤون السياسية تستهوي الكثير من الناس، فهناك من يعكف على متابعة الأخبار وتحليلها والنقاش المستفيض فيها دون أن يتساءل إن كان حقًا يفهمها أو يستفيد منها في حياته، ولا يدرك بأنه طاقته ووقته وتفكيره يتم استنزافها في شؤون لا يستطيع أن يغيرها أو يصلحها، بل على العكس تؤثر عليه سلبًا وقد يفقد ثقته وتفاؤله وينشغل بها عمّا يفيده ويسعده، وهناك من يعلق طويلاً في هذه المصيدة فيعتبر نفسه سياسيًا إما لأنه يدرس تخصصات سياسية أو يعمل في مؤسسات تنصبُّ أعمالها في نقل أو صنع القرارات السياسية، أو لأنه قرأ وتابع وحلل وناقش وكتب في هذا المجال، والمصيبة أنه مع الأيام يتحوّل بنفسه إلى مصيدة يقع الآخرون فيها معتقدين بأنه متخصص في هذا المجال الغامض المليء بالأسرار والمكائد، وقد يرسمه البعض كسياسي محنّك رغم أنه لم يعرف يومًا للميادين السياسية ومعتركاتها سبيلاً.

خلاصة القول : إن الكثير في حياتنا نتجه إليه قبل أن نقيس مدى احتياجنا له، تُغرينا وفرته أو الصورة المرسومة عنه، نتبنّى فكرة ليست من صميم قناعاتنا بأن تلك الأشياء أو القرارات أو المجالات هي ضرورة تستقيم بها حياتنا، ولكن إذا ما حوّلنا أنظارنا قليلاً عنها سندرك أن الدنيا بها من الخيارات والقرارات والخطوات التي تجعل من حياتنا أجمل وأسعد وأفضل، وإلا سنصبح مثل ذلك الفأر الذي لا يرى سوى جُبنة في مصيدة بجانب سور، ولو أنه حاد عنها قليلاً وتجاوز السور لوجد خيرات لا تُعد ولا تُحصى، تُغنيه عن تلك الجبنة التي هو في الأصل لا يحتاجها ولا يحبها كثيرًا

الاستبيان
هل ترى امكانية تشكيل حكومة جديدة من قبل الاطار التنسيقي؟