نصيحة خالدة في ذاكرة التاريخ تخرج العراق من مصيبته
2021/12/30
 
74

عدنان شاكر 

كانت بولندا في القرن الثامن عشر بلدًا كبيرًا يضم حوالي خمسة عشر مليون نسمة عندما كان سكان العالم آنذاك أقل من مليار  نسمة ، وكانت فيها  أعراق متعددة ومعتقدات دينية متنوعة ، علاوة على ذلك كان الملك ضعيفًا تحيط به طبقة نبلاء فاسدة لا يهمها سوى مصالحها الخاصة وما تستطيع نَهْبَهُ من أموال الشعب إضافة الى جيران أقوياء يتدخلون في شؤون البلد . كل هذه العوامل أدت بالدولة الى وضع خطير مما دفع بأحد المواطنين الغيورين الى إلتماس النصيحة من المفكر والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو ، صاحب نظرية " العقد الاجتماعي " فكان رده : (  إن الدولة البولندية تعاني نقصًا في المزايا الوطنية وبالتالي إذا أرادت بولندا أن تخرج من هذا المأزق الخطير الذي وضعت نفسها فيه فلا بدّ من إحياء الشعور بالتلاحم الوطني ، وهذا يمكن من خلال إحياء المؤسسات الوطنية التي تشكل خصائص وثقافات وعادات الشعوب والتي يمكنها أن تلهم الناس الحب الدافىء لبلدهم  ) . وهذا يعني كلما كانت الدولة مؤسسة بشكل أفضل تقدمت المصلحة العامة على المصلحة الخاصة في عقول المواطنين ، لإنهم حينذاك يدركون أن مصالحهم الخاصة لا تتحقق إلا ضمن إطار المصلحة الوطنية العامة وبالتالي يزيد تعميق الروابط بين المواطنين ويتحقق الاستقرار والازدهار في الداخل ويتحصن البلد ضد التدخل الخارجي .
نصيحة " روسو " هذه كانت في منتصف القرن الثامن عشر ـ قبل قرنين ونصف ـ أي حين كانت المواطنة في طريقها لتصبح مرادفة للوطنية التي تعني الولاء والالتزام للدولة بمختلف مكوناتها الدينية والمذهبية والإثنية والثقافية والفكرية . فالدولة المدنية الحديثة ( دولة الكل الاجتماعي ) التي تمارس الحيادية تجاه أعراق وأديان ومذاهب وأديولوجيات مواطنيها هي التي تأسس للمواطنة الحقيقية التي تحترم التنوع وتسعى للاستفادة منه في سبيل تقوية الوحدة الوطنية . وعليه فالمزايا الوطنية التي يحتاجها العراق أكثر من أي وقت مضى لا تتحقق في دولة المحاصصات الطائفية والعرقية وإنما تتحقق فقط في ظل الدولة المدنية ، دولة الحق والعدل والقانون التي تعمل على حماية كل أعضاء المجتمع بدون تمييز قومي أو ديني أو فكري ، لذا فالمواطنة التي هي أس الوطنية لا توجد إلا في الدولة المدنية الحديثة التي تصون كرامة مواطنيها وتعمل على قاعدة المساواة بينهم في الحقوق والواجبات . لذلك خلاص العراق يبدأ في تحرر الأجيال من حراس المذاهب والأديان بإسم السماء ، والخروج من ضيق الطائفية والمذهبية والمناطقية إلى فضاء المواطنة الواسِع الرحِب . لأننا إذا خسرنا الدولة المدنية فسوف نخسر كل شيء ، ولكن إذا خسرنا الأحزاب الدينية فسوف نكسب الدولة ونربح الدين .
الاستبيان
من هو أفضل رئيس وزراء بعد 2003؟