إيران : هَجْر المشروع وتفكيك الميليشيات أو هَدْم المعبد
2021/11/18
 
802

عدنان شاكر 

يتعمد الطرف الأقوى أن يوهم الطرف الأضعف إنه قادر على تحديه وتحقيق أهدافه ، ولكنه في حقيقة الأمر يستدرجه لتحقيق أهدافه الإستراتيجية ذات المدى البعيد ، وعندما ينتهي منه يقضي عليه أو يستبدله بنظام جديد أو يتركه يتلاشى لوحده . 
إثنان وأربعون عاماً سمحت الولايات المتحدة الأمريكية لإيران للقيام بكل ما تحلم به في المنطقة العربية ، فالإستقرار مرفوض لأنه ينفي حاجة العرب إليها . فحولت إيران من دولة حليفة الى دولة مارقة ، فهي من أسقطت نظام الشاه الحليف لها ولإسرائيل ، وهي التي أحضرت الخميني من باريس بطائرة خاصة ، وهي من دفعت صدام حسين لحرب الثمان سنوات مع إيران ، وهي من زينت له دخول الكويت لمعاقبته والتخلص منه ، وهي من أحضرت ما كان يسمى بالمعارضة العراقية التي تعلم جيداً إرتباطها بالمخابرات الإيرانية ، وهي من قدمت العراق على طبق من ذهب لإيران عن عمد لتمارس فيه كل أشكال الإنتقام والفساد والتخريب ، كما سمحت لها بإنشاء الميليشيات الطائفية المسلحة في لبنان وسوريا والعراق واليمن طمعاً في تحقيق الحلم الإمبراطوري القديم بوسيلة دغدغة المشاعر العربية والإسلامية تحت شعار براق هو تحرير القدس وإبادة إسرائيل في حين لم تقدم إيران شهيداً واحداً من أجل القدس وفلسطين . 
أمريكا هي التي سدت أذنها وأغلقت عينها عن المال الأخواني القطري الذي يتدفق بسخاء الى حزب الله الشيعي في لبنان والى حماس السنية في غزة والى الأخوان المسلمين " تجمع الإصلاح " والشيعة الحوثيين في اليمن والجماعات الإسلامية المسلحة في ليبيا .  وهكذا تحول شعار المقاومة الإسلامية لتحرير القدس الى شعار حقيقي لتدمير سوريا ولبنان والعراق واليمن وليبيا ، حتى أمسى لدينا فلسطينات بدل فلسطين واحدة . ولذا يكون محور المقاومة الإسلامية المخادع الذي يخفي وراء ظهره مشروع تمزيق المجتمعات الوطنية باعتبار " الوطن صَنَم يعبد  من دون الله بحسب مرجعهم سيد قطب " فكان هذا أسوأ إنتاج أضَرَّ بالحل العادل لقضية العرب المركزية ( فلسطين ) ، وبفضله أصبحت إيران والمال الإخواني هما العدو الأول للدول والشعوب العربية وليس إسرائيل ، لأن سُلَّمْ العداء يتدرج منطقياً من الأقل خطورة إلى الخَطِرْ صعوداً إلى الأخْطَر .
الآن وبعد أربعة عقود ونيف تَشْرَع أمريكا بالانقضاض على الحلم الايراني والعمل على تفكيك ميليشياتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن ، وإجبار إيران للتراجع الى الداخل بعد أن تحققت لديها المعطيات السياسية والاقتصادية التالية على أرض الواقع :
أولًا - ( يَمَناً إيرانياً ) : عودة طالبان الجارة الشرقية لإيران سيخلق بؤرة أزمات كثيرة لها . أفغانستان على مدى العقود الماضية شَكَلَت مَسرَحًا لتنافس القوى العالمية والإقليمية ، ومن المتوقَّع بعد الانسحاب الامريكي السريع منها ، أن يتزايد دور القوى الإقليمية المتداخلة في أفغانستان ويتزايد معها التنافس ، وتُعَدُّ المملكة العربية السعودية على رأس القوى الإقليمية التي تعتبرها إيران منافساً خطيرًا لها في أفغانستان . ويجري الحديث في الأوساط السياسية الإيرانية عن ثمة روابط تجمع بين حركة طالبان والنظام السياسي والأمني السعودي بخصوص المشروع الإيراني للمنطقة ، وتنظر إيران إلى طالبان بوصفها أداة من أدوات السعودية لخوض التنافس الإقليمي . هذه النظرة الإيرانية تشير إلى أن السعودية بإمكانها أن تحصل بشكل أو بآخر على ورقة ضغط على إيران يمكن استخدامها في موازنة الملف اليمني . ويمكن ملاحظة الاهتمام بمثل هذا الاحتمال لدى مراكز صنع القرار السياسي في طهران والتي تُشير إلى إحتمال أن تُشكِل أفغانستان " يَمَناً إيرانياً  " . ويبقى من المرجح أن تحاول المملكة العربية السعودية استخدام الورقة الأفغانية في إطار انتزاع امتيازات من إيران خصوصاً في الملف اليمني .
ثانيًا - ( إسرائيل على حدود إيران ) : أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية ، هي دولة علمانية إلى حد كبير ، ومتطورة اقتصاديًا وتتمتع باقتصاد قوي متنوع . كما إنها حليف وثيق ومهم لإسرائيل وأمة شقيقة لتركيا . تشتري إسرائيل النفط الأذربيجاني وتشتري أذربيجان الأسلحة الإسرائيلية ، بما في ذلك تكنولوجيا الطائرات من دون طيار . وقد أدت حرب ناغورنو قره باغ الثانية التي دعمت فيها تركيا أذربيجان إلى إختلال كبير في ميزان القوة الإقليمية التي تشعر إيران تجاهها بالقلق . كانت أرمينيا دولة مفيدة حيث سمحت لإيران بالتجارة والوصول إلى أوربا ، لكن أذربيجان التي طردت أرمينيا من الشريط الحدودي مع إيران وضمته إليها تحاول الآن إغلاق هذه البوابة . طهران سعت بكل وسيلة في السابق إلى تصدير ثورتها إلى أذربيجان لكنها لم تحصد غير الفشل واليأس . وتنظر إيران إلى القومية الأذرية على أنها تهديد حقيقي لشؤونها الداخلية بسبب الأقلية العرقية الأذربيجانية الكبيرة التي تشكل ثلث سكان إيران ، والتي تنظر بعين ساخطة للنظام الداعم لأرمينيا عدو أذربيجان ، وتتخوف إيران كثيرًا من إثارة النزعة الانفصالية داخلها .
ثالثًا - ( الطوق التركي ) : أظهرت تركيا رغبتها مع بدء الانسحاب الامريكى في خوض غمار التنافس الإقليمي في أفغانستان ، من خلال محاولة أنقرة الوجود والسيطرة على مطار كابول . وأثبتت مجمل التطورات الإقليمية أن تركيا تحاول دائماً التواجد في البلدان المحيطة بإيران ، فهي تسعى لمزاحمة الوجود الإيراني في سوريا والعراق ، وتدخلت في أزمة مرتفعات قره باغ بالوقوف مع أذربيجان ضد أرمينيا حليفة إيران ، فتركيا فعليًا توجد بالقرب من الحدود الإيرانية الشمالية الغربية ، ولديها أيضاً وجود في منطقة الخليج عبر قاعدتها العسكرية في قطر ، وهي تحاول اليوم أن تكمل الطوق حول إيران من خلال تعزيز وجودها في أفغانستان . وترى مراكز البحوث والدراسات الإيرانية للتطلعات التركية في أفغانستان في إطار نزعة العثمنة لدى أردوغان للتوسع الإقليمي . وكذلك سيحمل الوجود التركي في أفغانستان تداعيات اقتصادية إلى جانب التداعيات السياسية ، إذ ستحاول تركيا مزاحمة إيران في الأسواق الأفغانية ما من شأنه أن يدعم موقع تركيا في خريطة بلدان حزام الطريق الصيني .
رابعًا - ( مشاكل حدودية ) : ستحصل باكستان التي ترتبط بعلاقات قوية بطالبان على ورقة ضغط على إيران ، بوصفها حركة تربطها بباكستان علاقات قوية على الصعيد الأمني والاجتماعي ، ما يرفع إحتمال توسيع نفوذها في داخل إيران خاصة عبر إقليم سيستان وبلوشستان .       
خامسًا - ( تأزم اقتصادي ) : ينعكس الوضع الجديد في أفغانستان سلباً على أسواق الدولار في إيران ، إذ سَيُخرِج مدينة هرات التجارية التي استخدمت الحكومة الإيرانية نفوذها على مدى الأعوام الماضية في أسواقها من أجل السيطرة على أسعار الدولار في إيران من مدار النشاط والتأثير . كما سيؤثر الوضع الجديد في أفغانستان على ملف سدّ هلمند بوصفه أحد أهم الملفات الخلافية العالقة بين إيران وأفغانستان التي ستتمسك بمطلب النفط مقابل المياه ، خصوصًا وان إيران تعاني شحة كبيرة بالموارد المائية . أيضًا سيفاقم التشدد الأصولي المتطرف لطالبان عمليات اللجوء الى داخل إيران ، وهذا سيفاقم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها بسبب العقوبات الصارمة للولايات المتحدة الأميركية .

سادسًا - ( مجلس الأمن الدولي ) : أدان مجلس الأمن الدولي بالإجماع محاولة إغتيال الكاظمي رئيس وزراء العراق واصفًا المحاولة بالإرهاب وأحد أخطر التهديدات للسلم والأمن الدوليين . وأكد بيان المجلس ضرورة أن تكافح جميع الدول وبجميع الوسائل التهديدات الإرهابية التي يتعرض لها السلم والأمن الدوليان ، وذلك وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والالتزامات الأخرى بموجب القانون الدولي . هذا البيان الذي ارتقى بلهجته الشديدة قريبًا من مستوى تدويل محاولة الاغتيال ، وضع الجهات التي تقف وراء المحاولة في مأزق حقيقي ، الأمر الذي جعل قائد الحرس الثوري يأتي مسرعًا الى بغداد ، وجعل  إيران تنأى بنفسها وتدين العملية رسميًا ، وهذا يحدث لأول مرة منذ ٢٠٠٣ .
سابعًا - ( حدثان مهمان ) : شهدت الأسابيع القليلة الماضية حدثين مهمين بارزين ، يشكلان ملامح بداية المشهد السياسي الجديد للمنطقة ، وهما : 
( الأول ) الانتخابات العراقية الأخيرة : يمكن إعتبار هذه الانتخابات الحد الفاصل بين " زمنين إيرانيين " على مستوى المنطقة ، حيث كانت الانتخابات امتحانًا للنفوذ الايراني داخل العراق الذي أخضعته لسطوتها منذ سقوط بغداد . صعقت إيران بهزيمة ساحقة ، فبدلًا من أن يكون ( التصويت الشيعي ) كما أرادوا استفتاء على دم سليماني بوجه أمريكا ، جاء التصويت الشيعي إستفتاءً وطنيًا حقيقيًا على دماء شهداء ثورة تشرين العظيمة . 
( الثاني ) زيارة وزير الخارجية الإماراتي الى سوريا : الأسبوع الماضي قلبت هذه الزيارة الطاولة على رؤوس فريق الممانعة والمقاومة والمحور الايراني ، خاصة وإن الوزير " عراب التطبيع مع اسرائيل " بحسب إعلامهم ، يزور سوريا قلعة المقاومة ورئيسها بشار الأسد " عراب الصمود " بحسب إعلامهم أيضًا . الأسد وبعد الإطراء الكبير على الدور الإيجابي لدولة الإمارات على الصعيدين العربي والإقليمي ، وهو بالمناسبة إطراء مُسْتَحَق ، وصف سياساتها بالصائبة دائمًا ، وهذا الوصف ضِمنًا ينصرف على حالة التطبيع مع إسرائيل ، إن لم يكن بالموافقة فعلى أقل تقدير لا اعتراض عليه سورياً ، فكيف سيبرر حزب الله تورطه بالحرب بقوله إنه يدافع عن النظام السورى لأن استهدافه هو استهداف للمقاومة ؟؟ 
- توتر إيران يزداد كل يوم ؛ الشعب العراقي لَجَمَّ نفوذها في الانتخابات الأخيرة ؛ دولة الإمارات مهدت الطريق لعودة سوريا للحاضنة العربية بغية اعادتها الى منظومة الأمن العربي المشترك مما يعني إنسحابها من محور إيران . طالبان  صارت جارة لها في أفغانستان ؛ إسرائيل أصبح لها موطىء قدم على حدودها الغربية بأذربيجان ؛ باكستان أمست قريبة جدًا من حدودها في سيستان وبلوشستان ، وسبقهما ميثاق إسلام آباد بين تركيا وباكستان وأذربيجان ؛ وكذلك مشروع الشام الكبير بين العراق والأردن ومصر لمنع إنفرادها بالعراق ؛ تأسيس منظمة غاز شرق المتوسط ( غارا ) بين مصر وإسرائيل والأردن وقبرص واليونان وإيطاليا ، والدور المستقبلي الذي ستلعبه في إرساء دعائم السلام والاستقرار في المنطقة ؛ توفر الظروف الملائمة لإعادة إحياء فكرة ( الناتو العربي ) ؛ روسيا أخْلَت الساحة السورية أمام القصف الإسرائيلي للميليشيات الإيرانية بشرط أن لا يطال القصف قوات الجيش السوري ؛ حزب الله ذراعها القوي يهدد بالدخول في مغامرة داخلية قد تكمل ما دمره في لبنان ، وقد تكون الآلية الوحيدة للقضاء عليه . 
- إيران بحاجة ملحة للعودة سريعًا إلى الإتفاق النووي لإعادة تفعيل الاقتصاد المتأزم بسبب العقوبات ، فهي تدرك أن أي تأخير في حل أزمة العقوبات قد يعقد عملية ترميم الاقتصاد الذي يعاني أمراض مزمنة  قد تدخله في حالة إستعصاء كامل قد لا ينفع معها في المستقبل حتى إلغاء العقوبات .
إيران الآن وهي تشهد ( الإنكسار المتسارع ) لمشروعها الذي ارادت تصديره للمنطقة منذ قيام الثورة الخمينية  عام ١٩٧٩ تقف أمام خيارين لا ثالث لهما : أما أن تتخلى عن الحروب بالوكالة وتَهْجِرَّ شعار تصدير الثورة الذي أدخل المنطقة في نفق مظلم مليء بالدم والدمار ، وأما أن تَهُدَّ المَعْبَد على رأسها ورؤوس أعوانها .
تشير التقارير والتحركات والتصريحات الإيرانية بالفترة الأخيرة أن إيران تتجه للأخذ بالخيار الأول ، وأعتقد وبقناعة تامة أن الجميع يتمنى لها هذا الخيار لتعود لممارسة دورها الذي تستحقه في الإقليم كدولة محترمة وقوة معتبرة بمشروع حضاري جديد يحقق السلام والتنمية والازدهار لشعبها ولشعوب المنطقة التي عانت الكثير من المصائب والفواجع والويلات . وعليها أن لا تنسى بأن كل الدول العربية ودول الإقليم تتشارك معها قيم الدين وحقائق التاريخ والجغرافية .
الاستبيان
من هو أفضل رئيس وزراء بعد 2003؟