2021/08/11
4832 من كتاب "اصطياد الخليفة" تأليف اللواء دينا بيتارد قائد قوات التحالف في العراف 2014-
كان الفريق عبد الوهاب الساعدي يتحفظ على دعمنا الجوي، لانه كان شاهدا على تأخر الدعم في تدمير مواقع داعش في معركة سد حديثة والذي تسبب في خسائر في صفوف قوات مكافحة الأرهاب. فعندما كنا نخطط لمعركة بيجي كان الفريق وهاب يسأل عن الدعم الجوي وهو يركز نظراته الحادة تجاهي.
الفريق عبد الوهاب من اشجع القادة العسكريين الذين عملت معهم في حياتي العسكرية، دائما تجده في مقدمة الأرتال وخطوط المواجهة. كسب حب واحترام الجنود وعامة الشعب العراقي الذي كان يراقب المعارك. برغم اني اتمنى ان اكون معه في خطوط المواجهه وان اكتسب الحب والأحترام الي يمتلكه، انا شخصيا طلبت منه قبل معركة بيجي "سيدي اخشى ان يستهدفك العدو اثناء المعركة وستكون خسارة كبيرة للعراق لذلك اتمنى ان تنتبه لنفسك وتبقى في الخلف حتى تهدأ المعركة. فرجال مكافحة الارهاب والعراق بأمس الحاجة لك"
برغم الحاحي على تقدم القوات بثلاث ارتال نحو بيجي، قرر العراقيين التقدم برتل واحد ضخم وكما اخبرني الساعدي بان الرتل الواحد اسهل في تجنب العبوات والكمائن ويمتلك قوة نارية للدفاع عن نفسه في حالة تعرضه لهجوم او كمين. ويسهل دعمه من الجو.
كان الفريق وهاب يمتلك شبكة مصادر استخبارية ضخمة ودقيقة في صلاح الدين وقدم لي اهداف عديدة مكنتنا من توجيه ضربات دقيقة للعدو وتمهيد ساحة المعركة. لكن للأسف الشديد رفضت قصف احد الأهداف المهمة الذي قدمه الساعدي وهو ورشة صيانة سيارات استخدمها داعش كمعمل تفخيخ السيارات. يقع هذا المعمل في قلب مدينة بيجي وحوله سكان مدنيين لذلك لا يمكن استهدافه لتجنب الخسائر المدنية.
كنا نراقب عن كثب تقدم الرتل ونمهد الطريق من خلاق القصف الجوي ومراقبة تحركات العدو التي ننقلها للرتل اول بأول. واجهه الرتل صعوبة بالغة من هجمات المفخخات والأنتحاريين في الطريق أضافة الى وجود عبوات مزروعة في طريقهم.
قبل وصول قوات الفريق وهاب الى بيجي ب 45 دقيقة جائني علي –المترجم- لغرفة العمليات وقال بأن الفريق وهاب يريد التحدث اليك. قال لي الفريق بأن هناك عجلة انقاض ضخمة غادرت معمل التفخيخ متجهه نحو الرتل وطلب استهدافها فورا. بعد ان اعطاني وصف العجلة اسرعت لغرفة العمليات وامرت فريق الأستطلاع بالبحث عن العجلة، وخلال دقائق كانت المسيرات تنقل صورة العجلة الضخمة متجه باتجاه الخط السريع نحو رتل الفريق وهاب. شعرت بقشعريرة في عمودي الفقري وانا اتفحص العجلة، التريع للزجاج والمحرك والأطارات حيث تيقنا بانها محملة بالمتفجرات، وانها عجلة مدمرة ومميتة اذا وصلت للرتل. وقبل ان اكمل اعطائي الأوامر بتدمير العجلة اتصل احد قادة العمليات من القيادة المركزية بأسئلة كثيرة عن مدى تأكدنا من ان هذه العجلة تحمل متفجرات وانها ليس تنقل مدنيين هاربين، و، و. وصلت العجلة حوالي 20 كيلو مترا من الرتل ولم يعد لدينا وقت للنقاش، بعد حديث مقتضب مع الجنرال من القيادة انهيت المكالمة وطلبت تدمير العجلة. لسوء الحظ لم يكن في سماء المعركة سوى طائرتين اف 16 تابعة لآحدى دول التحالف وبعد ان اعطيناهم مواصفات الهدف، اعتذر قائد السرب من التنفيذ الا بعد الأتصال بقيادتهم لأن الهدف مدني. الدقائق تمر مسرعة ويزداد التوتر داخل غرفة العمليات ونحن نرى هذه القنبلة الضخمة تفترب من رتل الفريق وهاب.
صمت قاتل اخترقه صوت قائد السرب بحصول الموافقة، مرت دقيقة وشاهدنا العصف والغبار الذي احدثه صاروخان من طائرات اف 16 نحو الهدف. لكن صدمتنا كانت مذهله بعد ثوان من انقشاع الغبار بان العجلة لم تصب بأذى والأنتحاري واصل تقدمه بسرعة حاولت الطائرات استخدام المدفع لكن دون جدوى. كانوا قد عادوا من واجب في صلاح الدين ونفذ عتادهم ووقودهم فاعتذر قائد السرب وانسحب. ناداني العقيد بان هناك طائرتين اف 18 امريكيتين سيصلان بعد 5 دقائق، لكننا لا نملك 5 دقائق اذ عبرت العجلة الطريق المعاكس لتضرب مقدمة الرتل الذي اصبح في مرأى منهم. اتصل الفريق وهاب غاضبا وقلت له بأني احاول تدمير العجلة وهو يرد بعصبية "تحاول" العجلة على مسافة كيلومترين من الرتل. قال لي احد مشغلي المسيرات بأنه يستطيع ضرب العجلة بصاروخ "هيل فاير" برغم عدم ثقتي بهذا النوع من العتاد بسبب تجارب سابقة الا اني لا املك حلول اخرى فقلت له اسرع بالتنفيذ. مرت دقيقة رأينا الرتل يأخذ وضعا دفاعيا ويقتح النار نحو العجلة لكن العجلة نواصل السير بسرعة باتجاههم وسرعان ما اخترق صاروخ المسيرة سقف العجلة وانفجرت على بعد 600 مترا من مقدمة الرتل.
امتلأت غرفة العمليات بالتصفيق وشعرت بلحظة سعادة لتدمير العجلة قبل ارتطامها بالرتل الذي كان في مقدمته الفريق وهاب. و لو نجع الأنتحاري في ضرب الرتل لأنتهت عملية التقدم.
اتصلت بالفريق وهاب "سيدي اعتذر عن التأخر لكن الحمد لله استطعنا تدميرها بصاروخ من المسيرة"
رد وهاب بعصبية مشككا "مسيرة؟؟ كلا، انا في الموقع وعلى بعد مئات الأمتار من المفخخة، لقد ضربناها بقذيفة دبابة ابرامز بعد ان اقتربت من الرتل.
قلت له الحمد لله على سلامتكم وحاولت تغيير الموضوع لأننا ليس بصدد الجدال بمن دمر العجلة. وطلبت منه ان يحاول المسير بسرعة ليتجنب الهجمات المعادية لكن الفريق وهاب قال بأنه يحاول التقدم باسرع ما يمكن لكنه يواجهه هجمات وعبوات كثيرة تستدعي التوقف.
في تلك الليلة اعدنا فيديو الضربة ببطء وشاهدنا بكل وضوح اختراق قذيفة الدبابة للعجلة من المقدمة بنفس الثانية التي اخترق بها صاروخ المسيرة سقف العجلة، حيث كان الفريق عبد الوهاب دقيقا في كلامه وكنا نحن الأثنين على حق.