هجنة الواقع وتجنيس النص ! ( قبس في مدن عاهرة ) ..
2021/02/23
 
23

قراءة بقلم عميد المسرح العراقي د . عقيل مهدي يوسف 


يصنع الكاتب في مدونته ، هذه مدخلا استهلاليا على غلافها ، ايقونة لمشنقة في وسطها فانوس مضيء .. 
تجد في الصفحات المكتوبة ، اخبارا عن انسان غريب ، ( مقذوف من الصحراء الى العولمة ) . طائر في اللاشيء يدور في المدينة العاهرة ويثبت على لسانه مقولته ( الثيمة ) الرئيسة في الكتاب ( امة جذورها هجينة) .  
تتفرع ، بتعقيباته ، وسردياته ، انساق من اصطدام الغريب باهل السلطة والمال والجاه . يجر الغريب عجلته على سكة المجهول كانه يحمل صليب معاناته ، وهو يرى شيخا قد اعتمر نصف بطيخة مهينة تخسف راسه بقداستها . بمثل هذه اللمسة الساخرة ( إيرونيك ) يتعزز لديه الاغتراب حين يقارن ما بين ( دموع الاميين وانفجارات الوعي ، وشرائع الغاب ، والكتاب الأبيض ) .
ثم يرى وجها معتما آخر في اخباريته عن (  اسلحة  ثقيلة ، وخفيفة ، ... رباعيات سنامية القيادة ) متمتما مع نفسه ، بالرجوع الى حيث كان ، لانه يحذر ان تلوث مدينته ( الاساطير ) .
الغريب هذا ربما جاء طيفه ، متناصا مع ( هكذا تكلم زرادشت ) – نيتشه ، في هبوطه من الجبل الى الأرض ، وتاملاته للاوضاع البشرية المستلبة ، والكرامة المهدورة ، المهددة بالفناء الأرضي والرعب من جحيم الاخرة ، للمذنبين .. هنا الغريب يفصح تارة ويضمر في أخرى .. وهو يرى ( ممكلة القديس ) يدشنها باحتفالات الشواء وتدهمه في سدول الليل امنيات محتدمة ( لم يهدا له بال ( ... ) هاله وجع الكون المحتدم في داخله ) . وهو يرى الى ( مسالك الغش ، وبراثن المخالب الباطلة ) . بين مدرسة الرحمن وعلوها واحابيل الشيطان في تدنيها ) . 
في ( الهجنة ) يرى ، ( الازلام ) ينعقون مع كل ناعق ، تارة ينسبون انفسهم الى مستبد قاتل ، وأخرى لقديس منافق !
وترتسم السخرية حين يصرح ، بان ( فطسة مواتكم ، لا تختلف عن ( عفطة ) جبالكم التي تدعون ) . وهم اليوم يباعون ويشترون ، في ( مقبرة الاحياء ) .. حيث يستغل البعض من أولئك السماسرة، ( شهوات الانسان .. اذ يفعل بها ما يشاء ) .
البطل يحزن ، فالخرافة منذ زمن غابر ، احالت النهار الى ليل وقد توالدت من رحم اهاتهم وجهالتهم ) ... يرقصون على موسيقى الغباء الصارخة مذهولين في حل احجية : ( خوار ثورهم العتيد ) .
هنا تثقل على انفاس الغريب أحلامه والامه معا ، اذ ما زالت جيوش جرارة من الناس ، صغارها وكبارها ، تحتفي بعيد ( اللهيب ) .. تحت اشراف من فوق التلال وسدنته ، ( التليون الرابضون .. وهم يرون ( الجمال والفن ... سخفا يستحق السحق ) .. 
سام الغريب من لعبة الموت .. ( كعادته كل صباح ، تبدا عمليات الكنس البشري ) ، ويرى البؤساء مثل قرابين بشرية تساق الى المحرقة بابواب مغلفة غير واعين لما هم فيه من مسبغة واذلال وعبودية ( برغم ما يتطوقسون – فان وجوههم ظلت مغبرة ، اثر معاناة الطريق ) ..
لا يمل الغريب ، سوى اعلان حنقه على السلاطين الجدد ( قيمكم ، انانية وكذب على السماء التي تدعون ) . 
وقد اخبر الغريب في داخل روحه عدالة السماء وادركها ناصعة في وعيه . 
في استرجاع لذوي الطاقيات الحمراء ، تنتابه الغصة لانهم كانوا يتوعدون المخالفين لنظمهم الانضباطية بالدم والتقتيل والاعتقال .. تحت هيمنة مسخ...، مخلوق اسطوري ، اجتاح القرية ليقتل ويلتهم أخيارهم بازلامه من وذي الطاقيات الحمراء ) . الذين يقتلون كل من يتلكا بحمل الماء ورشه على قمم الجبل . يكفيهم دلالة على الجرم ، هو انهم يحكمون على انتهاك أرواح الاخرين ، بالظن والشبهة ) .
حين مات العفريت.. واندثرت.. طقوسه.... ، تضرر ازلامه هؤلاء .. وضاع مجدهم المجلجل بما تركوه من عار في المدينة . 
كان الغريب يخترق قافلة المتسولين وهم يحملون يافطاتهم الكئيبة المعتمة بمسكنة وذلة ويراهنون على ما تلتقطه آذانهم من ( هجنة ) – وعاظ السلاطين - الذين يمهدون لسوق الرعاع الى من يروم الترشح لشيوخهم بعد ان باتوا مخدرين بطقوسهم .. فهم من طينة العبيد ، اعتادوا الانصياع... ، دون مقاومة ) ..
حين يزفر الغريب وينفث حسراته ويجابه المنافقين في عقر دارهم يردون عليه : ( لو لا حرمة المكان ، لحرمتك من الاستمتاع بلذة العيش ( النخيلي ) أيها الملحد ) .
هنا يرسم صورة النخيل والبساتين في بعدها الدال .
لا احد ينافس اجادتهم ( لعمليات التغسيل والتكفين والتشييع والتقبير ) 
المعذوبون من الفقراء ، رهن انتظار غسل خطاياهم المزعومة ،ومحو ذنوبهم في هذا العالم المبتلى . 
مر عليهم من كان يتزين بمظاهر القداسة ويوحي بربانيته... المرتسمة جليا في.................  ( كل العناوين والالقاب والبذخ ... ) ، فيما هو مجلجل بعار تلطخه بدماء الأبرياء ( وبدماء بنات مدينتهم ) .... ، ويستدرك الغريب مستغفرا من هذا الافك عند المستبدين ، متمتما ( حاشى  للسماء ان تسن تلك القوانين ) . 
الغريب حاول ( بصدق وعقلانية موجزة وواقعية الاهتداء الى حلول ناجعة ، لهذا التصدع ( المديني والأخلاقي والسياسي ..) . 
هنا يوحي لنا الكتاب بمراده الحقيقي ، في دعوته الي تنمية ثقافية وسياسية وإدارية وتدريب ديمقراطي ملموس في مؤسسات معاصرة ، بلا كهنوت إرهابي ( سلفي ) بل  يدعو الى استقطاب الخبرات وتجاوز  ازدواجية ، القول والفعل ، حتى لا تختلط الاهواء النفعية وتكاليفها المالية ، الباهظة ، المستلبة من افواه الجياع ، من خلال خلق مرتكزات منهجية منفتحة لتنمية شاملة بقيادات وكوادر إدارية مهنية مدربة ... تمتلك الخبرة والقدرات والكفايات المطلوبة . 

فجأة  يدلهم  رعب..  في مدن مسالمة ، وتعلو فيها صيحات من ( وادي الموت .. بنداء لسنابك خيل مرعبة .. داعية سيوفهم لتحز الرقاب ..) .
وما ان يبزغ الفجر حتى كثرت سهام الغدر لتمحق الحياة وتدنس العفة والضمير ، وكانهم يمثلون امتدادا ، وذيولا ، للسلاطين ، بتلونهم وعمى بصائرهم وانفلات غرائز الدمار والموت .. 
(وقد..... تفتتح بوابات... بوابات مواربة ما بين فردوس أرضي.. أو خراب كارثي أمام الشعب .. مع يوم جديد آت ) .. 
وبانتظار هذا اليوم ، يختتم الكاتب مدونته ّ..

الاستبيان
برأيك كمتابع الى ماذا تتحول بناية جامع الرحمن؟