
حسين العادلي
•أخطر ما تُمنى به الدولة هي (الشخصنة)، فتكون شرعيتها ووظائفها تعبيراً عن شخص الحاكم ورؤيته وإرادته وحتى أمّزجته ورغباته، لتتحوّل الدولة معه من كيان أمّة (نحن) إلى كيان فرد (أنا)، ومن تعبيرٍ عن (مؤسسة وطنية) إلى (أداة حكم وتحكّم فردي) محض يشكّل الحاكم مضامينها الشرعية والمؤسسية والقانونية.
•شخصنة الدولة أشد فتكاً وأكثر إنتهاكاً من الدولة/ الحكم الدكتاتوري أو الشمولي أو الثيوقراطي، فليس ثمة فاصل بين الحاكم والدولة في الدولة المشخصنة على أي مستوى كان، بل هو الدولة كشرعية وكسياسات وحتى كمصير، فلا شئ خارج رؤيته وقراراته، (فهو الدولة والدولة هو).
•الدولة المشخصنة هي (دولة الفرد) لا (دولة جمهور)، و(دولة الواحد) لا (دولة أمّة)،.. وهنا يمكننا فهم شخصنة الدولة في تاريخ ما قبل الدولة الحديثة حيث الملكيات والثيوقراطيات، أما أن تتشخصن الدولة بمفهومها الحديث فهذا تمرد على الدولة كمفهوم وكشرعية وككيان.
•ركائز الحكم في الدولة المشخصنة هي رُباعي: الطاعة/ الإكراه/ الإغراء/ الدعاية المحضة، فهي تطلب (الطاعة المطلقة) من رعاياها مقابل حقوق يقدّر الحاكم نوّعها وكمّها ودون أن تمس جوهر الحكم وإتجاهاته، وتمارس الدولة/ الحاكم (الإكراه والإغراء) للحصول على الطاعة من خلال (سياسة دعائية) ممنهجة متواصلة تشتغل على (تقديس ذات الحاكم) وضرورته التاريخية وعصمة ممارساته وإلهامية قيادته وشدة جبروته وتفرده المطلق بصفات القدرة والتّميز (صدام حسين نموذجاً)،.. وبإعتبارها مُلكه الشخصي ومشروعه الخاص فستموت الدولة المشخصنة بموت الحاكم الشخص، لذا فأكثر الدول إضطراباً وهلاكاً هي الدولة المشخصنة.
•هناك أشكال أخرى للشخصنة -كما لدينا اليوم- في تموضعات وأداء الدولة التي تفقد قوتها وإلزامية قوانينها وسطوة مؤسساتها، منها: شخصنة ممارسة السلطات وقيادة مؤسسات الدولة، فعندما لا يمارس المسؤول/ الشخص سلطة الموقع وقيادة المؤسسة على وفق معايير وضوابط وإلتزامات الدولة كمؤسسة دستورية قانونية فهو هنا يشخصنها،.. وعندما لا يفصل بين ذاته والموقع ويحكّم مزاجه أو رغباته أو إتجاهاته بإدارة المسؤولية فهو هنا أيضاً يشخصن الدولة كمواقع خدمة محايدة،.. وعندما يحتال على القانون أو يختزل المنجز بإسمه أو يمارس المحسوبية والفساد فهو أيضاً يشخّصن موقعه بالدولة خدمةً لمصالحه،.. وعندما يحتكر الموقع ويسّفه أي بديل ولا يرى لائقاً للموقع غير شخصه فهو هنا يشخصن الدولة كوظائف عامة.
•تمتد الشخصنة لتطال الأحزاب أيضاً، فغالباً ما نرى إختزال الأحزاب بشخص القائد، فإذا ما مات أو ترك المهمة فسيموت الحزب معه، فالحزب هنا ليس مؤسسة سياسية جماعية بقدر ما هو عشيرة سياسية وأداة الشخص/ القائد وكيانه الجماعي الشخصي الذي به يسعى ويناور ويطاول وصولاً للحكم.
•المفترض بالدولة أنها إمبراطوية قوانين ومملكة مؤسسات وهرم قيادات وهياكل إدارات وسياق أعراف، تمثل أمّة وطنية سيادية إرادةً وتوجهاً ومصيراً، وظيفتها تحقيق النظام والأمن وإدارة الخلاف وتلبية المصالح وتقديم الخدمات، تُمارس فيها المسؤوليات وفق منطق الوظيفة العامة مدفوعة الأجر والمقيدة بالقانون والسياق والمحاسبة، وتُمارس أيضاً فيها السلطة وعمل الأحزاب والمنظمات والفاعليات الرسمية وفقاً لأسس الدولة الحديثة، ومتى ما تم شخصنة الدولة وسلطاتها ومؤسساتها ومواقعها وأحزابها فستُبتلع لتتحول إلى دولة أشخاص ومملكات سلطة ومقاطعات نفوذ وضيعات إمتياز وعشائر ساسة.